ثقافة

 

 

 

 

اصدارات خندان


 

   
الدخـــول مـــن باب شعرية المكان

جاسم عاصي

تاريخ النشر       17/09/2012 12:00 AM


كتاب «قبل خراب البصرة» للشاعر طالب عبد العزيز نص لمعالجة المكان بامتياز، ليس من باب تناوله صور المكان الجنوبي وخصوصياته وسحره، وإنما بما يتخلل النثر الفني الذي شكـّل لغة الكتاب السردية والوصفية، والذي يوحي بوضوح ويعكس تلك العلاقة بين المكان والشعر من جهة، وعلاقة الشعر والمكان بالتصوف من جهة أخرى. وهنا يكون دور الكتابة الكشف عن المبهر الذي طغى وتراكم عليه غبار الزمن، ذلك أن كل الصور والمَشاهد والظواهر نتاج عوامل مختلفة؛ تقوم القراءة النقدية بمحاولة الكشف عنها. إن تعاقب الأزمنة، بأحداثها، كالحروب مثلا، كان من جرّائها أن اقتسمت مدينة البصرة نصف هذا الزمن المقتطع من الواقع وأحالته في اتجاه مستودع الذاكرة. لذا نرى أن ما يمارسه مؤلف الكتاب عن المكان إنما يحرث وينقـّب في الطبقات العميقة، من أجل الوصول إلى الصورة المتوارية. لنكون إزاء صناعة المكان، أي إنتاج تأريخ ذلك المكان. والسؤال، هنا، ما طبيعة بنية ذلك التاريخ؟ إنه مزيج من رؤى وأفكار وانعكاسات، تعلـّم شعرية المكان، وخلايا بنيته الأساسية، فهو تاريخ الإنسان، والحيوات الأخرى، كما سيتبين لنا.

ما تمنحه الثريـــا

يشكـّل العنوان علامة مهمة وهو «قبل خراب البصرة» مقابل المثل الشعبي القائل «بعد خراب البصرة» وهو ليس إمحاءً لذاكرة المـَثـَل، بل يؤسس علاقة وظيفية أخرى، يجدها المؤلف أكثر بلاغة بالنسبة الى علاقته بالمكان، الذي هو أبو الخصيب. من هنا نجد أن المؤلف، وهو يقلـّب صفحات ذاكرة المكان «الخصيبي»، يضعنا أمام سحر الذي استنبته المكان بطبيعته الزراعية، وسحر جريان أنهاره وحلم إنسانه المتصل بالتاريخ القديم، وما مرَّ بالمدينة من أحداث كبرى في التاريخ، كثورة الزنج على سبيل المثال.
بالعودة إلى العنوان، أو ثريا الكتاب، على مصطلح القاص الباحث محمود عبد الوهاب، نجد أنه يؤسس لزمن معاكس لما تضمنه المثل الشعبي «بعد خراب البصرة» وذلك بقلب «بعد» إلى «قبل». إن كل ما هو متوفر في الكتاب، نوع من الحرث في الذاكرة الجمعية، عبر الذاكرة الفردية، حيث تتعرّض البصرة، منذ حرب الثمانينات من القرن الماضي، لإمحاء شواهد ورموز ذاكرتها، ليتعرّض لها الكتاب بشيء من الشفافية المغلفة بالأسى والحزن والأسف.

الثريّات الفرعية

تكتسب العناوين الفرعية في الكتاب أهميتها في كونها تؤسس إشارة تنفتح على قيمتين؛ خارجية وداخلية. فاتخاذ الباب عنوانـًاً، يعني العمل، من خلاله، في داخل وخارج المكان. أي إن الباب عتبة للدخول وهو عتبة للخروج والتطلع. إن الباب هو الإشارة الأولى، فللبيت أبواب، وللنصوص المكتوبة أبواب، وللمعنى أبواب، ولا دخول من غير الأبواب، لأنه يُشير إلى تسلل واعتداء. وللدخول من الأبواب طقوس وعلامات عرفانية وأخلاقية، من ذلك قوله تعالى «أدخلو بسلام آمنين»، ومثل قولنا: «اطرق الباب قبل الدخول» وما إلى غير ذلك من النصائح والأقوال، التي شكلتها القيم، التي تأسست في المكان وكونت تاريخه.
 المهم في كل ما تقدم أن ثمة قيمًا واعتبارات للأبواب، حيث توفر النصوص على ثريات تنّم عن علل ومسببات لهذه التسمية، وهي نابعة من معنى ما، اتفق عليه الجميع، أو حدث ما، سايره العرف واعتبره جزءًا من مكوناته، ولنتذكر أن قيمة الأبواب أنتجها العقل السومري؛ فما كان دخول إينانا عشتار وأنكيدو إلى العالم الأسفل، إلا من باب متعارف عليه، بأداء لقسم ملزم للجميع؛ إلهًاً كان، أو مواطنـًا.
هذا على صعيد تسمية الفصول بالأبواب، وما لحقها من صفة لموصوف. فالباب هنا يُشير إلى معناه. فهو يذكر في المقدمة: «هناك رواية تقول بأن القرى والقصبات التي تتوسط النخل والأنهار، كانت تـُغلق في الليل ببوابات من جذوع وخشب يقف على حراستها فلاحون». ولكي يوضح القيمة يذكر: «وحين يقولون لك كلمة باب، ويردفونها بأخرى معرّفة بأل أو بدونها، كأن يقولون: باب الهوى، أو باب ميدان، يتوجب عليك أن تسأل: مَنْ التي كانت على الماء؟ ومن التي كانت على اليابسة؟ ترى كيف توضع الباب على الهواء؟ وأيّ ميدان يغلقونه بباب؟ ميدان الحرب أم ميدان اللعب. أم هو اسم لمالك الأرض؟ ومن يفتح الأبواب هذه؟ لمن؟» ولعل مماحكة جميلة أوردها الكاتب، هي من باب توالد الأسئلة أيضًا، أو لنقل من توارد الخواطر، فأسئلته تراودنا، ولأنه حاذق، أثارها قبلنا: «ولأننا ندخل، كان علينا أن نطرق. لكن البيبان كثيرة هنا. هل نطرق بيبان الماء أم الهواء. قال كتاب الماء اطرقوا باب الهوى أولا، هو أيسر لكم. ثم عرجوا عليّ فاطرقوا بابي، أنا الماء، باب كل الحكايات، ومسرّة كل المسرّات» وهكذا يعرج على مثل يُغني به مسرى السرد والوصف، ذلك لأن الكتاب يعتمد، أول ما يعتمد، على البنى الشعبية التي أسست لبنى فكرية وأخلاقية، حيث واكب هذا الاستخدام والتوظيف، أن أسْطـَرَ بعضها وخلق منه أسطورة مبتكرة، توازيًاً مع بنية العقل الفردي والجمعي البدئي في ابتكار الأساطير. يذكر «جيمس فريزر» في كتابه «أساطير في أصل النار» بأن «الميثيولوجيا فلسفة الإنسان البدئي... وهي وثائق عن التفكير الإنساني وهو لايزال في حالة الجنين... إنها تـُلقي ضوءًا ينير لنا طريق التطور الفكري (ص 5- 6) وبهذا يحاول عبد العزيز أن يؤسس فكرًا وقيمًا من خلال المكان.

الذاكرة التلقائية

ما تقدم من تقليب صفحات الكتاب يوفــّر لنا جملة خصائص؛ نجملها باختصار شديد، وهي:
ــ هنالك حكـّاء أو راو ظاهر أحيانا، وخفي أحيانا أخرى، أسس لمبنى حكائي ساير نزعة التراث في الـتأليف، وعلى نحو خاص المقامة، وذلك بتدخل الراوي في إثارة الأحاسيس والمشاعر.
ــ التعامل مع ذاكرة تلقائية في الوصف والسرد.
ـــ الربط بين صورة الماضي والحاضر بالاستنتاج والاستقراء من قبل المتلقي، من دون تدخل مباشر في هذا الحراك.
ــ العلاقة المزدوجة بالمكان، التي طرفاها الكاتب و المتلقي الرائي الذي يحمل ذاكرة عن ذلك المكان، وهي، في كلا المستويين، تقتفي حراك المؤثر والأثر، وليس أسلوب المؤلف وتصاعد لغته الشعرية العالية فحسب.

حماية الذاكرة

من هذا نستطيع القول: إن كتاب «عبد العزيز» ينحو للتوثيق وحماية الذاكرة من التفتت والإمحاء. فهو، بذلك، دفاع عن القيم والاعتبارات التي ورثها الإنسان، واستلهام صيرورتها من الواقع أو البيئة الريفية المتميّزة «أبو الخصيب» شأنها شأن الأمكنة الأخرى، التي تـحكي وتروي ما مر وما جرى على لسان أبنائها الرواة. وهو يتوسل بالأدبي من كل الأجناس؛ سردًا وشعرًا ووصفا، وإنشاءً، وبما يتناسب مع اللحظات التي تـُسْتنبَت من ظواهر نفسية اجتماعية. ولما كان وراء الراوي، هنا، كم من الذكريات والمذكرات، توجب عليه أن يأخذ بنظر الاعتبار القيمة التي تؤسسها هذه الصورة أو تلك. بمعنى أنه يدخل إلى الاستثنائي منها، والمؤثر الكامن في طبيعتها، من دون الإشارة إلى طبيعة المؤثر مباشرة. أي إنه اعتمد نسقـًا يرتكز إلى الفطرية النقية، و التلقائية المدروسة، لإنتاج محتوى التوثيق الذي يومئ إليه المكان.



100% 75% 50% 25% 0%


مقالات اخرى لــ  جاسم عاصي

  Designed & Hosted By ENANA.COM

  الاسبوعية تصدر عن مؤسسة خندان للبث و النشر , العراق – بغداد