ثقافة

 

 

 

 

اصدارات خندان


 

   
نعيش في أطراف الغرب ولا نملك كيانًا خاصًّا بنا

بيروت - عدنان الهلاليّ

تاريخ النشر       17/09/2012 12:00 AM


حوار مع الشاعر اللبناني عباس بيضون:

لا يبدو عليه ذلك، لكن حين تقرأ قصائده تتفاجأ بالتفاصيل العادية والمشاهد اليوميّة التي يوظفها في نصوصه. الشعراء والكتاب، عمومًا هم أكثر الناس انتباهًا ورصدًا لما يدور حولهم من متغيرات سياسيّة وثقافيّة واجتماعيّة؛ تنتقل للعقل فتصبح جزءًا من حاضره ومستقبله. فَهُمْ في محاولة جادة لتثبيتها بتفاصيلها الدقيقة، جميل جدّا وممتع أن تتحدث مع هذا الرجل، من قرب، لتفصح عمّا يدور في عالم بيضون الشعريّ من رؤيا وحدس وأسئلة قلقة، قد تجد لها إجابة أو لا تجد، في واقع عربيّ بدأ يتّخذ إيقاعًا مختلفًا عمّا سبق، فتداخلت فيه أزمنة ثقافية مختلفة.
«الأسبوعية» التقت هذا المفكّر في الشعر، وبالشعر:



لماذا الاهتمام بالعادي والمهمل؟
- ليس هذا الاهتمام واعيًا ولا مقصودًا، ولم يكن اختيارًا حرًّا. بالنسبة إليّ وجدت أن اللغة، بكامل مفرداتها، تملك جاذبية ما، وتدخل بسهولة في نظام أدبي، وحين يتم استعداؤها من دون افتعال. بمعنى أن الكلام عن الأشياء المهملة والعادية، بالشعر، يبدو طبيعيًا وبديهيًا. ما من لغة خاصة بالشعر، وما من مفردات عادية أكثر من سواها. الشعر يسحب أي عبارة أو مفردة ويحولها الى موضوع شعري، المهم هو هذا المسّ الشعري. بإمكانك أن تتحدث عن القدر في كأس خمر وأن تجد صوت العدم في سقوط زر، وأن ترى لغزًّا في نصف تفاحة، توسيع العالم الشعري يجري باطّراد مثلما تتم في الفن التشكيلي أيّ قنوات مهملات وعناصر غير فنية، هذه العملية أسهل بالشعر لأن اللغة لا تحوي تراتبًا في الألفاظ، فالتراتب اجتماعي ما يجعل من كلمة «حذاء» أقل في الرتب من كلمة «مصير» مثلا التراتب يوجد خارج اللغة بمعنى أنه تراتب ناتج من المجتمع والأيديولوجيا أكثر منه للغة.
■ ماذا تمثل لحظة الكتابة لك؟
- هي لحظة انتظار طويل أكون في الأرجح أعانيه، فالشعر انتظار واستدعاء، أنا أكتب وقتًا معينًا من السنة، وأكتب فيه يوميًا. ذلك يحدث ما أن أتوسل إلى العبارة الاولى، ولا أتوصل إليها إلا بعد مكابدة طويلة وبقاء أسابيع بحالها لا أجد فيها عبارة وغالبًا ما انتهي إلى خواء داخلي؛ أسمع أصواتًا في رأسي أحاول أن أجسّدها في عبارة. وغالبًا ما أجد نفسي عاجزًا بكل معنى الكلمة، وغير قادر على تصريف الكلمات، أو أجد نفسي وأنا أكتب جملاً عقيمة سرعان ما أنتبه إلى لا جدواها. غالبًا ما أجد في أواسط النص أو نهايته، وقد تحررتُ تماما من خوفي وبتُ مسيطرًا على موضوعي وعلى لغتي، في تجربة «مدافن زجاجية» وهي قصيدة سجن إسرائيلية، كتبت بعد فترة من الخروج من السجن الاسرائيلي، لكن حصيلة السجن وذكرياته كانت أساسًا في لغة شبه «كافكاوية» في الشعر من حيث قصائدي الطويلة التي كُتبت بروح مختلفة.
قبل الكتابة بمَ تفكر: بالإيقاع، بالمحتوى الشعري، أم بالمتلقي؟
- لا أفكر في شيء، لكن ألجأ إلى القراءة قبل الكتابة، واقرأ موضوعات شعرية وروايات؛ ومتوخيًّا أن القراءة تجعلني على تماس أكثر مع الشعر، وهذا معروف عني بأن أقرأ قبل الكتابة، أكتب كما أستطيع أن أكتب، ولست قادرًا على تقييم نفسي، وهذا بالتأكيد من اختصاص الآخرين.
هل الصحافة مقبرة الأدباء فعلاً؟
- الصحافة في لبنان، ومازالت، مصدر رزق لعدد من الشعراء والكتاب، والغريب، مثلا، أن الشعراء يتصدرون صفحات الثقافة في لبنان، ربما يدل ذلك، رغم تراجع الشعر، على وجود مكانة له. صرت صحفيًّا من دون دافع سوى طلب العيش. في البداية لم أسعََ للتحول إلى صحفي فعلي ربما. إن الكاتب لا يحتاج لأن يكون صحفيًّا فهو صحفي، ومع الوقت تبين أن هذا المفهوم بلا أساس. إن الصحفي غير الكاتب وأن على الكاتب أن يتعلم كيف يكون صحفيًّا. بالفعل، منذ سنوات، بدأت أهتم بموقعي الصحفي ربما حفزني لذلك أنني وجدت، لأول مرّة، قرّاءً. الكتابة السياسيّة كانت لها الأثر الكبير في ذلك، فهكذا بدأت أتعلم كيف اكتب مقالة مُحكمة تقريبًا، وكيف أكتب إلى قارئ غير نخبوي. بمعنى أن تكتب مقالة ذات قوة سجالية؛ مقالة تقبض على موضوعها للحظة الأولى من دون تشعيب أو تفريع. وتعرف، من اللحظة الأولى، ماذا تكون ركيزتها، هذه التجربة جعلت مني ناثرًا لا شاعرًا فحسب، ويمكن أن اقول إني كتبت أكثر من روايتين نُشرتا في بيروت وهما: «تحليل دم» و«صندوق الرغبة».
تهتم بالفن التشكيلي، هل تحاول رسم لوحة بوساطة اللغة؟
- لا أرسم. أحيانا أخربش على أوراق أشكالاً ووجوهًا، خصوصاً حين أكون وحيدًا، والمهم أني لم أوظف هذه الرسوم في شيء، ولا أطمح الى استثمارها. أعرف أني لست رسامًا، لكن أحب الرسم، وبدأ هذا من فترة مبكرة فتعرفت على الرسم في أوائل مراهقتي، وأظنّ أن ذلك كان مصادفة بمقال قرأته في مجلة «العربي» التي كانت رائجة آنذاك، رأيت فيها مقالاً عن رسام فرنسي، وسُحرت بألوانه. كانت هذه بداية الرسم وبحثت عنه في الكتب والمكتبات، خصوصاً حيث كنت أدوام ساعات في مكتبة لبنان ومكتبة أنطوان في وسط البلد، أتكلم عن سنوات نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات، وبالفعل الجولة في المكتبات جعلتني أكتشف فنانين وأغذّي طاقتي البصريّة، واستمرّ الاهتمام بالفن. أما هل هناك من تأثير للفن التشكيلي في عملي الشعريّ؟ هناك أسماء فنانين تسربت إلى قصائدي. هناك قصائد تهتم برسامين أتذكر مثلا: فيرتر، يكن، بيكاسو الإسباني وغيرهم. كما أن هناك قصائد عن رسامين كالتي عن الرسام اللبناني سمير خداج.
■ الشاعر يكتب ليُشفى، من أي شيء يشفى عباس بيضون؟
- أُشفى من معاناة عصبية من انهيار عصبي لزمني سنينًا طويلة، وأظنّ أنه سيبقى يلزمني. كانت الكتابة مثل الزواج ذلك الحين كانت محاولة لتجذير نفسي بمعنى الخروج من الإحساس بالاقتلاع. كان عليّ أن أجد سببًا لبقائي حيًّا، لم أقم بأيّ محاولة للانتحار، كان هدفي وسعيي هو تماما العكس. كنت أسعى لأتخلص من رعب الانتحار، إن الكتابة أعانتني كثيرًا وكذلك الأسرة، لأن المشاكل التي ألقيت عليّ، وتحتاج الى اهتمامي كانت كبيرة بحيث كان علي أن انسى نفسي.
هل يعبر الشعر عمّا يدور في داخلك تماما؟
- القصيدة تقول عن نفسها، وهذا ما يجعل الشاعر يحسُّ، غالبّا، بأنه لم يستطع أن يقول نفسه، لا يمكن أن يوجّهها إلى المحل الذي يريد. فالقصيدة تملك غالبًا قدرة على الاندفاع الى حيث لم يفكر الشاعر إلا بمقدار. ويبقى هناك الإحساس بأن الشعر يذهب أبعد من الشاعر، وأن الشاعر لا يوجد في قصيدته إلا على نحو مبعثر ومتناثر.
القصيدة فنٌّ مكبوت إلى حد، إذ إنها قلّما تتحمل الإعلان، الشعر لا يخرج ولا يطابق لا من قريب ولا من بعيد ما في داخلنا. نقل الذات الى لغة لا يتم مباشرة على نحو حرفي، ولا يمكن أن تتحول القصيدة الى ترجمة للذات، فالقصيدة ليست وثيقة سيكولوجية، والبحث عن صاحبها فيها لا يعدو أن يكون تجسسًا. النثر يسمح بقدر أكبر من التدخل، ليس هذا سيبل الشعر الذي هو جوهر. ومهما يكن في الشعر فإن هناك، دائمًا، هو الأساس في العبارة المهملة - كما تفضلت - تتحول إلى عناصر أساس، بينما في النثر قدر أكبر من التراتب الداخلي، ولابدَّ من الإشارة إلى أن قصيدة النثر نثرية... إنها تمرين في الكتابة النثريّة.
قصيدتك التي غناها مارسيل خليفة، هل هي محاولة للربط بين السياسة والشعر؟
- هذه القصيدة ذات غرض تحريضيّ، وأدته سواء بقراءتها أو بإلقائها في ندوات عامّة في سنة 1974. في الواقع هي تكريم لإرهابي كما نسميه اليوم وتكريم للشعب الجنوبي. علي شعيب الذي قُتل في عملية محاصرة البنك الأميركي في بيروت خلال حرب العبور (رمضان) واستهلكت واستنفذت غرضها، خصوصاً عندما غناها مارسيل خليفة. أما الشعر فقد رفضت الموقف الذي أقامته مجلة «شعر» للفصل بين: السياسة والشعر. وأظنّ أن هذا الرأي رد فعل على ما يسمى بالشعر الوطنيّ كما كان رد فعل على الأدب الجماهيري والملتزم. أظنّ أن هذا الموقف ساذج الى حد بعيد، فالسياسة هي خبزنا اليوميّ وتمثل جزءًا أكبر من وجداننا واندفاعنا. ثم إن السياسة موجودة على نحو ما في كل خلية اجتماعية وتتصل بالميتافيزيقا أو بما هو نفسي. أدب كافكا هو أدب سياسيّ بقدر ماهو أدب ذاتيّ؛ لأن الخوف من الله والسلطة والأب هي أقانين متقاربة، إهمال السياسة إذن هو نوع من سياسة سيئة.
هل انقطعت عن الكتابة لفترة زمنية معينة؟
- توقفت عن الشعر سبع سنوات، هذا الأمر راجع الى انشغالي السياسي، ربما يكون العكس! قد يكون انشغالي حجة لترك الشعر. لا أستطيع الآن أن أميز الانقطاع، لكن الانقطاع الثاني دام أربع سنوات بعد اندلاع الحرب الأهلية في لبنان. هذه الحرب جرّدتني من لغتي وبدأت غنائيتي في قصيدة «صور» غير ملائمة لواقع جديد بين الزمان والمكان، أصبح المكان حجرة واحدة والزمان لحظة واحدة، صور الذي يلعب في فنائها زماني ومكاني، وأصبحت هذه القصيدة لم يعد في الإمكان كتابتها في الحرب. وعندما وقعت على قصائد للشاعر اليوناني «ردسيس» أدركتُ أن هذا الرجل يمكن أن يخرجني من عجزي، وهكذا كان بعد قراءته، استعدت، بعد أشهر، القدرة على الكتابة.
قصيدة الحبِّ هل يكتبها بيضون إلى امرأة محددة؟
- لا أستطيع أن اكتبها عن امرأة غير محددة أو غير موجودة. بالنسبة إليّ لا استطيع كتابة قصيدة حبّ إلى لا أحد. إذا كان الأمر كما يقول محمود درويش: «إننا نصنع المرأة التي نكتب عنها بقدر ما نصنع أنفسنا» فهي صحيحة، لكن الأدب كلّهُ هذا إذا كان الشعر هو دائمّا إعلاء، فلا ضير أن أكتب لهفتنا، لكن قصائد الحبِّ هي، أيضًا، قصائد أسئلة، قصائد الحب لا تتكلم عن الحب كمعطى بديهي، ولا تكتفي بمدح الحبِّ أو التغني به. من الواضح أن الحب إشكالي له طابع مشكلي ومشكلته متناقضة.
كيف تقرا النصوص القديمة والحديثة للشعراء وما معيارك النقديّ؟
- لا أقوم ومنذ فترة بالنقد، من الصعب أن تكون شاعرًا وناقدًا؛ لأن الشاعر والناقد عليه أن يتجاوز قصيدته، وأن يقرأ الشعر من دون أن يكون هو صاحب القراءة الأولى والأخيرة. لذلك أكتب النقد بقلة وغالبًا ما أكتب نصًّا صغيرًا لدعم كتاب لم ينل حقه مع ذلك. أفكر بطباعة بعض مقالاتي النقدية في كتاب؛ لأن جيلي والأجيال التي تكتب لم تستغل النقد كما ينبغي. تبقى الإشارة الى ما ندعوه نقدًا في إيماننا هو في الغالب سجعٌ وسطحيّ ومن دون ذائقة. إذ لا يزال النقد، إلا القليل منه، مهنة من دون مواصفات، بعضها يعنيني وأقرأه، أما الأكثر فلا يعني لي شيئا أبدًا. أقرأ لطرفة بن العبد، وعمر بن أبي ربيعة، والنابغة، وأبي نؤاس، والمتنبي والمعري، في دون أن ننسى ابن الرومي. أما الجدد، قرأت للجميع تقريبًا، وليس شعراء هذه الآونة فقط، قرأت السيّاب، والبياتي، وأدونيس، وأنسي الحاج، وسعدي يوسف، قرأتهم جميعًا. والشعر ليس هؤلاء فقط هناك سركون بولص ومظفر النواب وغيرهم.
■ ماذا يعني لك التراث ومن أيّ مهاد انطلقت؟
- هناك شعراء مؤثرون في مسيرتي، كتبت في البداية تقليدًا للشعراء مثلا: لنزار قباني وللسياب وخليل حاوي. كل ما كتبته من قصائد هو تمارين. ثم أخذت منحىً خاصًا بي. نجحت في بعضها، ولم أنجح في بعضها الآخر، وبطبيعة الحال كان هنالك عدد من الشعراء الغربيين: إليوت، وبابلو نيرودا، ووتمان، وردسيس اليوناني، وريلكه، وترومر. أمّا التراث فمنفصل ونحاول أن نستعيده فهي فكرة خيالية، بيننا وبين التراث قطيعة من مئات السنين، لكن هذه القطيعة ليست مفرغة أو خاوية فقد كان اتصالنا بالتراث قائمًا فيها على نحو ما. التراث في النهاية ليس بالمكتبات، ولكنه بما يتبقى منه في الحاضر، لا يشبه شعري شعر المتنبي أو أبي نواس، أو غيرهما، لكن أزعم بأن قراءتي لهؤلاء ليست بريئة ولا مجانيّة.
هل تعتقد بأنك قطعت، بقصيدة النثر، شوطًا تجاوز نماذجها السائدة؟
- لا أعرف كيف أجيب. قصيدة النثر، مثلها مثل قصيدة الشعر، تعاني من الشروط التي تفرضها الثقافة العربية. فهنالك أوّلاً التهميش ثم الأعمال الحديثة ولا جماهيريتها. هناك أيضا سرعة تكوّن أنماط كتابية مهيمنة، ثم كثرة الخائضين في وجهة مفتوحة، وقلة السؤال النظري عن الشعر. كل هذا قد يجعل قصيدة النثر في ذات حالة تشبه، إلى حد بعيد، قصيدة الشعر، أي ترسيخ أنماط كتابية من دون البحث الفعلي والجدي. من الممكن أن تصاب قصيدة النثر بالانسداد الذي أُصيبت به قصيدة الشعر، والواقع أن الشعر بجناحيه: «قصيدة الشعر/ قصيدة النثر» يعاني من ركود. هناك كثرة تكتب. لكن ليس المهم الكتابة، بل مدى البحث والابتكار والخروج من الأشياء الجاهزة.
هل نتاجنا كعرب خارج الحداثة، بالأحرى ما علاقتنا بالغرب الثقافي؟
- الحداثة كلمة متآلهة عندنا كعرب، وباتت من مرتكزاتنا العقائدية من دون أن يطرح سؤال فعلي كإمكان فكري أو اجتماعي. والواقع، الحداثة العربية منيت بفشل ذريع زمن كان يعتقد بأن الحداثة تخسر في كل مجال وتربح في الأدب، فهذه معادلة مضحكة إذا كنا نخسر في كل مجال سنخسر في الأدب أيضًا. الأشكال الجديدة لا تكفي، لكن ينبغي أن يوجد محيط ثقافي ملائم. هذا المحيط مفقود تقريبًا ما يجعلها من دون سند ثقافي، ومن دون تبرير فعلي – نظري، ثم وجود ما نسميه بالحداثة على شكل مبادرات فردية متفرقة ولا تنتظم بمحيط واحد.
العالم تجاوز الحداثة. الآن الكلام على ما بعدها، نستعير ما بعد الحداثة في الشعر أيضًا. أصبحنا نتكلم عن قصيدة الكمبيوتر الرقمية. قد نكتب مثل هذه القصيدة، لكن هذه لا يعني أنها تجد مناخًا مناسبًا ما من مناخ فعلي؛ لا للحداثة ولا لما بعد الحداثة. باتت الثقافة عملاً نخبويًّا من دون أن تكون جامعة محيطًا طبيعيًا. أظنّ أن المشكلة قائمة، ونجاح الشعر أو الرواية لا ينقذنا على الإطلاق والواقع أن المحيط الثقافي يزداد ضحالة.
أما الغرب فتمكن الإشارة إلى أمور؛ أوّلها نحن نعيش في أطراف الغرب ولا نملك كيانّا خاصًا خارج الغرب. نحن أطرافه وهوامشه، المشكلة أن هذا الغرب يقلُّ اعترافه بنا يوما بعد يوم. ثم إن الغرب موجود بيننا. فنحن لا نغير شيئًا بتراثنا إذا لم يغير الغرب، البعض كان يقول: إننا في زمن ما قبل البورجوازية، والآن سنكون في زمن من دون القدرة على تزمينه، فالنظر إلى ما بعد الحداثة، يجعلنا بلا زمن ومن دون معيار زمني؛ لأن ما بعد الحداثة تجاهلنا تمامًا وإذا كان هناك اهتمام بالصين كبلد آسيوي فنحن خارج دائرة الاهتمام.
تقول: إنّ القارئ العربي غير موجود. ألا ترى شيئًا من القسوة في تعبيرك؟
- الأرقام تقول إن القارئ العربي غير موجود، وليس أنا. والقارئ غير موجود؛ ليس عدديًّا فقط، بل معنويًّا أيضا، فعندما تكتب تفكر أن هناك قارئًا يقول لك: هذا أريده وهذا لا أريده. وهذا الجمهور مفقود وممثلوه، في المؤسسة الأدبية، مفقودون. مثلا لم أجد محررًا داخل دار نشر يعيد ترتيب النص بعد كتابته الأولى!
كيف تقرأ التجربة العراقية الجديدة؟
- العراقيون يعنوني كثيرًا. أقول للعراقيين تجربتكم الدامية والمؤلمة قد تكون من التجارب العربية النادرة التي استوعبت دروسًا وعبرًا. العراق هو البلد الوحيد الذي تخلص من الحرب الأهلية، والبلد الوحيد الذي باتت إمكانية إعادة الدولة واضحة للكل، الانتخابات الأخيرة للمحافظات العراقية كانت مفرحة بالنسبة إليّ شخصيًّا؛ لأنها أفرزت وجوهًا جديدة، وهو أمر مبارك ومهم ومحوري جدًا. لكن السؤال الذي أمتلكه هل سيكون العراق البلد العربي الوحيد الذي أقام المشروع السياسي مشروع مصالحة حقيقية ودولة وموازنة بين: الإتنية والمذاهب؟ لذلك أطلب، وأتمنى، أن يكون العراق نموذجًا في الدولة والمصالحة، ليغدو مثالاً لنا كدول عربية عمّا قريب.



100% 75% 50% 25% 0%


مقالات اخرى لــ  بيروت - عدنان الهلاليّ

  Designed & Hosted By ENANA.COM

  الاسبوعية تصدر عن مؤسسة خندان للبث و النشر , العراق – بغداد