
نيل أرمسترونغ، خُطىً كثيرة على الارض، يبعثرها الغبار والغابِرُ، وخطوة واحدة على سطح القمر، راسخة في عروق النجم البعيد، لن تمحوها ريح. لكن رجل الفضاء، وصديق القمر، وابن الارض رحل عن العالم، موصيا بدفنه في البحر. انه من جيل عملاق لكنه متواضع، عكف على الاكتشاف، من دون ضجة، أو تصفيق، أو ألقاب، في زمن لم تنل منه علل العصر، الفساد والادعاء ونقص المعرفة لدى خَرّاصين من مُدَّعي العلم والشهادات. وحين وجَّه الرئيس الأميركي باراك أوباما التحية إلى روحه، كان الجميع يدرك انه من معدن ابطال لن ينساهم الذِكْر. أبى إذ وطأت قدماه الارض ثانية، ارتداء قميص البطولة، مؤمنا ان الانجاز الذي قام به، كان واجبا فحسب، مبتعدا عن محاولات زج اسمه في السياسة كما التجارة بعدما انهالت عليه عروض اعلانات الترويج. انه من عالم مثل آخر، قالت «واشنطن بوست» انه عصامي حتى في حرفته، فمنذ حلق في الفضاء للمرة الاولى وهو في السادسة من عمره، وبدأ الطيران في سن الخامسة عشرة، عكف على مختلف الاعمال ليتمكن من سداد كلفة دروس الطيران، ليصبح بعدها طيارا حين شارك مقاتلاً إبان الحرب الكورية (1950 – 1953)، قبل أن ينغمس في دراسة هندسة الطيران، لتبدأ مسيرته في وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) في العام 1955، حتى قام بمهمته الكبرى في العام 1969، على متن مركبة «أبولو 11» التي قطعت 250 ألف ميل إلى القمر، ليدخل ومركبته التاريخ. أربعة أيام لن ينساها التاريخ، واكبه خلالها مئات الملايين في العالم ليصبح أرمسترونغ (38 عاماً آنذاك)، أول إنسان تطأ قدمه سطح القمر. بعد كل هذه الشهرة، افضت به الاحوال منعزلا عن الحياة العامة في مزرعته في ولاية أوهايو، بعيداً عن الأعين، باستثناء ظهوره في بضع مناسبات كالذكرى السنوية للهبوط على القمر. اليوم، اذ تُلقى جثة أرمسترونغ في البحر احتراماً لوصيته، لم يبق من ذكراه سوى آثار اقدامه التي يحتفظ بها القمر الى الابد، ومدرسة تحمل اسمه، ومتحف يضم إرثه الفضائي. |