
خلال البحث عن أُصل المولد النَّبوي، على يد سُلطانها مظفر الدِّين كُوكبري (ت 630 هـ)، قرأنا عن حياة هذا السُّلطان، التي فيها الكثير مما نفع المحكومين، وما تطبع عليه مِن تواضع ونزول إلى مستويات النَّاس كافة، حتى كان يباشر أمورهم بنفسه. ورد في سيرته أنه حارب مع صلاح الدِّين الأيوبي (ت 589 هـ)، وشارك بانتصاره في معركة حطين الحاسمة مع الأفرنج (1187 ميلادية). كان أبوه حاكماً على إربل، وقبلها حاكماً على الموصل فتركها وبقية إماراته واكتفى بإربل. تولى مظفر الدين مكانه وعمره كان أربعة عشر عاماً، ثم نُحي وحل محله أخوه، واُخرج منها وذهب إلى بغداد ثم الموصل، ومنها التحق بصلاح الدين الأيوبي، وشارك في معركة حطين، وبعد وفاة أخيه أعاده صلاح الدين إلى إربل، وكان قبلها قد سجنه لأمر حصل معه، وواجه التتر عند غزوهم لإربل بعد أن وصلت امدادات له مِن الموصل (ابن الأثير، الكامل في التاريخ). تزوج أخت صلاح الدِّين ربيعة خاتون، التي توفيت بدمشق. تلك باختصار شديد قصة السُّلطان كُوكبوري، ويتداولها مؤرخون بكوكبري أيضاً. وهي مفردة تركمانية معناها «الذِّئب الأزرق»، فكانت كوكبوري مِن أسرة تركمانية (ابن خِلكان، وفيات الأعيان). تلك مقدمة لشاهد المقال وهو إصلاحات وخيرات وسلوك هذا السُّلطان طوال فترة حكمه التي استمرت طويلاً (586 – 630 هـ)؛ التي تصل إلى أربعة وأربعين عاماً، وعندما نقول خيرات لا نحسب أن الرَّجل كحاكم كان خالياً مِن مظالم أو تآمر، فهو لم يحزن عندما مات أخوه، فخلال العزاء اعتقل قواد سلفه استعداداً للمُلك بإربل (ابن الأثير). جاء في سيرته: كان همه فعل الخيرات، لم يُسمع أن أحداً مِن الحاكمين فعلها بطريقته، كان يُهدي النَّاس ثياباً في الصيف والشَّتاء، ومعها يعطي النُّقود مِن الذَّهب، بمقدار الدينار والدينارين والثلاثة دنانير. وشيد دوراً (أربع خانقات) لأصحاب العاهات، مِن الزُّمنى والعميان، وقرر لهم ما يحتاجونه كلَّ يوم، ويزورهم في الأسبوع مرتين، ويدخل عليهم واحداً واحداً ويسألهم عن أحوالهم، ويمازحهم ويتبسط معهم في الحديث. بنى داراً للملاقيط، مِن حديثي الولادة الذين يُرمى بهم في الطُّرقات لأمر من الأمور، ورتب لهم مرضعات، مع أن لبعض الفقهاء قسوة تجاه هؤلاء. كذلك شيد داراً للنساء الأرامل، وداراً لصغار الأيتام، وكان يزور هذه الدُّور ويفرض لها النَّفقة، بل يعطي في زيارته زيادة عما قُرر للأرامل. وشيد بيمارستان (مستشفى)، ويزوره بنفسه ويقف على حال كلِّ مريض، ويسأله عن مرضه وما يشتهي. كذلك شيد داراً خاصة بالغرباء، يأوى إليها الفقراء والفقهاء القادمين إلى إربل، وللدار مخصص للغداء والعشاء، وقرر للمسافرين النَّفقة خلال سفرهم. بنى للصوفية الخانقات، ويحضرها هو شخصياً. وبالجملة «ليس لديه أحب مِن الصَّدقة». وكان متواضعاً كريم الأخلاق سالم البطانة، متدين جداً، لكن تدينه لم يدفعه إلى كسر الملاهي ومنع الغناء (ابن خِلِّكان، المصدر نفسه). نحن نتحدث عن حاكم في القرن الثاني عشر ميلادي أو السَّادس الهجري! ولم يحتج أصوات النَّاس للانتخاب كي نقول له مصلحة بهذه المكارم وهذا السُّلوك! عندما مات دفن في قلعة أربيل، وكان قد أوصى أن يُنقل ليدفن بمكة، ولما حملوا رفاته ووصلوا بها الكوفة في موسم الحج، ولم يتمكن النَّاس الحج في تلك السَّنة (631 هـ)، دفن بالقرب مِن ضريح علي بن أبي طالب، وكان طريق الحج يمر مِن هناك. |