
كان التباعد بين المسلمين السنة والمسلمين الشيعة، يعتمد في استمراره وانفجاره احياناً، على مقدار من الجهل المتبادل الذي غذاه التجهيل المتعمد، ما جعل صورة كل من الطرفين لدى الآخر، صورة نمطية تستمد عوامل ثباتها من اختلاف كان المفروض ان يكون طبيعيا، في معرفة الاسلام، لم يكن يوماً منحصراً فيهما وبينهما، بل هو شائع في ما بين المذاهب كلها وداخل المذهب الواحد. وقد تأسس هذا الاختلاف كما هو معروف، ولأسباب يدخل التسويغ السياسي في جملتها من دون أن يختزلها، على مسألة مركزية في السياسة الدينية، لم يعطل ابان حصول حول الخلافة، في العهد الراشدي، وشة المسلمين التي تركبت من مجموع المشارب والحساسيات والاجتهادات، لتوالي عملية ترسيخ الاسلام ونشره. ولم يعرف التاريخ الاسلامي، ما سماه المؤرخون لاحقا فتنا بين الشيعة والسنة، الا في عهود متأخرة عن العهد الراشدي، اذ كان الصراع في العهد الاموي اشد التباسا وتركيبا وتداخلا بين الاسباب، من دون ان يغيب البعد العلوي الاموي عن صورته. وتكرر حدوث الفتن في العصر العباسي خصوصا، لأن خلفاء او ملوك العباسيين كانوا حريصين على موقعهم بين السنة والشيعة، لأن ذلك التذبذب كان يتيح لهم لونا من الاستمرارية تقوم في ما تقوم، على كونهم سنة في نظر السنة بلحاظ الالتزام الفقهي، وان لم يقصروا في اضطهاد ائمة السنة وعلمائهم، وعلى كونهم شيعة اذا ما اراد الشيعي ان يراهم كذلك، وان كان هذا الجانب من تعريفهم او النظر اليهم يقوم على السلب لا على الايجاب، أي على كونهم ضد السنة بلحاظ موجبات وظروف وخلفيات تأسيس دولتهم، التي استثمرت ممانعة الشيعة في مواجهة الأمويين والقسوة الاموية عليهم، ومن ذلك الموقع ابدى العباسيون في كل عهودهم، امتداداً الى العهد السلجوقي، مرورا بالبويهي، حرصهم على المباعدة بين السنة والشيعة وتعصيب كل منهما ضد الآخر، واشتعال الفتن في بغداد وغيرها كلما احتاجوا اليها لتبديد قوى الاعتراض والاحتجاج على الجور والفساد. ولعله مما يكشف ان العباسيين لم يكن من همهم الانتصار لطرف على طرف، هو انهم لم يقصروا في تأجيج الصراع بين اهل المذاهب السنية ذاتها، متذرعين الى ذلك بأفكار ومسائل دينية ساعدوا على افتعالها ورفعها الى مستوى العقيدة والمقدس الديني. من هنا كانت فتنة خلق القرآن والدم والقتل الذي حصل بشأنها والفتنة بين المعتزلة والاشاعرة عموما، مرورا باضطهاد الشيعة وسجن وقتل أئمة أهل البيت (ع) وسجن وتعذيب الامام ابي حنيفة او قتله في رأي بعض المؤرخين، واضطهاد الامام مالك بن انس، عقوبة على مساندتهم لبعض قوى المعارضة وخاصة حركة ابناء الامام الحسن (ع) وصولا الى التذرع بتهمة الالحاد والزندقة، خاصة في زمن الهادي والمهدي العباسي، والتي ذهب ضحيتها عدد من العلماء والادباء والمفكرين من ذوي الايمان الراسخ والعقيدة الصحيحة والاسئلة الوجيهة، ولم تطل من الملاحدة او اهل الشبهات الالحادية الا القليل ولأسباب سياسية اولا وبالذات، لا عقائدية. وعلى مر التاريخ، كانت دول الجور وسلاطينها تنكشف فيزول مقدار من الجهل المتبادل، وتتواصل الديار والاقطار بالتجارة والحج ومواجهة المخاطر المشتركة والغزو الاجنبي، الصليبي والمغولي مثلا والغربي الاستعماري واليهودي الاستيطاني في ما بعد، وبالرحلات والتبادل العلمي بين الحواضر، من غزة الى القاهرة الى جبل عامل وبلاد الشام عموماً الى اقطار المغرب والاستانة والعراق وايران والهند وآسيا الوسطى، فيعاد، بالتعارف والتثاقف، اكتشاف المشتركات المنهجية وتحرير مساحاتها وتوسيعها وحصر مسائل الخلاف وضبطها، وتزداد الضمانات، من دون ان يمنع ذلك قوى الشر في الداخل والخارج من اغتنام الفرص واستثمار بقايا الجهل وذاكرة الفتن في تأجيج فتن اخرى... الى العصور المتأخرة وبروز مشاركات اسلامية عامة، بعيداً عن دواعي البعد والتباعد، في مواجهة الجور الداخلي او العدو الخارجي. |