ثقافة

 

 

 

 

اصدارات خندان


 

   
استعادة جزء من وهج المسرح العراقي

صلاح حسن

تاريخ النشر       09/09/2012 12:00 AM


مطر صيف

لا نبالغ إذا قلنا إن المسرح العراقي انشغل، ومازال ينشغل، بثيمة الانتظار لأكثر من نصف قرن بدءًا من الانتقال من الملكية الى الجمهورية، وحتى هذه اللحظة. لم يكن من العبث أن يعمل أكثر المخرجين العراقيين في داخل العراق وخارجه على هذه الثيمة التي شكلت وعي الكثير من المخرجين المسرحيين والشعراء والكتاب، لأنها ارتبطت بحياتهم طوال هذه الفترة. مرة ينتظرون الانتهاء من الحروب الكثيرة التي لم يكونوا طرفا فيها، ومرة ينتظرون الخلاص من الديكتاتورية، ومرة ينتظرون الخلاص من الاحتلال، حتى إن أجيالا قضت من دون أن تصل الى هذه اللحظة التي تحولت الى معجزة.

بانتظار البلاد

عرض «مطر صيف» من تأليف الكاتب علي الزيدي وإخراج كاظم النصار، وتمثيل هناء محمد وفاضل عباس يدور حول ثيمة الانتظار ذاتها، لكن ماذا ينتظر هذا العرض بالتحديد بعد أن انتهت الحروب وسقطت الديكتاتوريات؟ إنه ينتظر ان تنتهي هذه الفوضى التي تلف البلد منذ عشر سنوات؛ ينتظر أن تنتصر المواطـَنة على حالات الصراع على السلطة وسرقة المال العام، أن تنتصر الهُوية على الضياع.
 لا النص ولا العرض طرحا هذه الفكرة بالطريقة المعهودة، ولكن الإشارات الذكية الكثيرة التي انطوى عليها العرض لمّحت الى ذلك بسخرية مريرة؛ دفعت الجمهور الى الضحك والتصفيق. قد يكون هذا العرض واحدًا من العروض القليلة التي عالجت هذه الثيمة بتقنية التراجيكوميديا خلال السنوات العشر الماضية، خلافا للكثير من العروض التي استخدمت الخطاب المباشر بحثا عن الجمهور الذي هجر المسارح وفضل عليها الزيارات الدينية.

العراقيّ مُستنسَخًا

تبدأ المسرحية بظهور «امرأة» الفنانة هناء محمد التي غابت عن العراق والمسرح العراقي مدة سبعة عشر عاما، وهي تنتظر أن تصلها نسخة طبق الأصل عن زوجها الذي خرج من العراق منذ ثلاثين عاما من دون أن تعرف إنْ كان مسجونـًا أو مخطوفـًا، أو قد تلقى تهديدًا، ولكن عندما يحضر الرجل لا تعرف إن كان زوجها الحقيقي ام المستنسخ، فتعامله بوصفه شخصًا ميتا.
«الرجل» الفنان فاضل عباس الذي يعود، أيضًا، إلى المسرح، بعد غياب ثماني سنوات من النفي، سواء أ كان الحقيقي أو المستنسخ،  لم يبدُ عليه أنه يتمتع بعاطفة قوية إزاء زوجته، وهو يعود بعد ثلاثين عامًا من الغياب، لذلك تقوم المرأة بتغسيله كما لو أنها تغسل جثة شخص ميت.

النص

فكرة النص ليست محلية صرفًـًا، إذ استفاد الكاتب من مسرحية كتبت عن الحرب العالمية الثانية، لكن الكاتب أضاف إضافة مهمة؛ هي فكرة الاستنساخ التي بنى المخرج عليها الكثير من الأفكار والمشاهد وسوف نتحدث عن هذا التوظيف عندما نتناول إخراج المسرحية. لغة النص واضحة، أقرب إلى العامية، مع أنها مطعمة بالكثير من الحوارات باللهجة الدارجة نجح الكاتب ايضا في استخدام توريات خلصت لغته من السقوط في الشعارات وخطاب الشارع.

التمثيل

قدمت الفنانة هناء محمد أقصى ما تستطيع من طاقة لكي تثبت للجمهور أنها فنانة مسرحية حقيقية؛ لم تستطع سنوات المنفى أن تنال من قدرتها على تجسيد أكثر الأدوار تعقيدًا. ومن خلال جسدها وصوتها عبرت عن معاناة المرأة العراقية التي فقدت، في هذه الحروب العبثية، أولادها وزوجها وأخوتها، من دون عويل أو ندب، فوصلت الى قلب الجمهور الذي حياها بحرارة تعادل الحرارة التي جسدت بها دور المرأة المنكوبة. الفنان فاضل عباس الذي جسد دور الرجل الغائب، هو الآخَر قدم دورًا معقدا بثلاث شخصيات في وقت واحد لم تتشابه أي منها في أغلب المشاهد الكثيرة التي شكلت العرض، وهو يعيد الى الأذهان الأدوار التي قدمها في الماضي قبل أن يغادر العراق.

الإخراج

اعتمد المخرج كاظم النصار تقنية المسرح الفقير الى حد ما، عندما تخلى عن الكثير من قطع الديكور، رغم المساحة الكبيرة للقاعة، لكن التوازن بقي قويًا حتى نهاية العرض، وبدت السينوغرافيا مدروسة للغاية بسبب قلة قطع الديكور التي اضطر المخرج الى توزيعها في العمق، وعلى الجانبين وفي أعلى يمين المسرح حيث بدا الجدار الذي علقت عليه جثث مستنسخة، إشارة الى تكرار عملية الاستنساخ؛ جعل المخرج الناس يبدون كلهم مستنسخين، وهي إشارة قوية الى السياسيين الذين قادوا البلد في الماضي والذين يقودونه اليوم.
من جانب آخر عندما قامت المرأة بتغسيل زوجها القادم توًا من منفاه، متعاملة ً معه كجثة هامدة، وهي إشارة أخرى الى موت الرجال الذين يعبثون بالمصائر، وموقفهم الديني المتزمت إزاء المرأة العراقية التي لم تر، طوال حياتها، غير العسكر وحروبهم وانقلاباتهم.
يمكن عد هذا العمل «مطر صيف» عودة الى المسرح العراقي الجاد الذي ذاع صيته في العالم العربي في الثمانينات وبداية التسعينات من القرن المنصرم، والجمهور الكبير الذي حضر العرض هو علامة هذه العودة.



100% 75% 50% 25% 0%


مقالات اخرى لــ  صلاح حسن

  Designed & Hosted By ENANA.COM

  الاسبوعية تصدر عن مؤسسة خندان للبث و النشر , العراق – بغداد