ثقافة

 

 

 

 

اصدارات خندان


 

   
سيرة لوحة لا تشيخ

نجم والي

تاريخ النشر       09/09/2012 12:00 AM


نظرة إلى الأدب... نظرة إلى الحياة
القصف الجوي المركز الذي نفذته الفرقة المقاتلة الألمانية «كوندور» في 26 نيسان (ابريل) 1937 على المدينة الإسبانية الصغيرة الواقعة في إقليم الباسك، جيرنيكا، لم يكن في حينه الأول من نوعه. وإذا كان قصف المدينة غير المعروفة حتى تلك اللحظة، قد أثار مشاعر الرأي العام واحتجاجاته في العالم، فإن الأمر له علاقة بوجود صحفيين عالميين في اليوم الربيعي ذلك بالمصادفة قريباً من المكان. الصحيفة المعروفة «إيفينيغ نيوس»، أخبار المساء، جعلت خبر قصف المدينة يتصدر صفحتها الأولى في اليوم التالي: «الهجوم الأكثر رعبًا لكل الأزمان».

حتى اندلاع الحرب الأهلية الإسبانية لم يعرف فن بابلو بيكاسو أي أبعاد سياسية. لكن ما حدث في جيرنيكا جعل فنه يتغير بين ليلة وضحاها، وما ساعد على ذلك، هو أن بيكاسو كان قد تسلم قبل الحادث، في  أوائل كانون الثاني (يناير) 1937 دعوة من الجمهورية الإسبانية بإنجاز عمل فني خاص للجناح الذي سيمثل الجمهورية الأسبانية في المعرض العالمي للفنون في باريس، والذي كان على أبواب الافتتاح قريباً. حتى نيسان (ابريل) من ذلك العام لم يكن بيكاسو قد أنجز شيئاً للمناسبة، لاسيّما أنه كان يعيش في تلك الفترة قصة حب مع «دورا مارس». لكن انتشار خبر قصف جيرنيكا في باريس، أثار عنده الحماسة، لأن يرسم لوحة لها علاقة بالحدث، لدرجة أنه لم يحتج أكثر من ستة أسابيع لكي ينجز اللوحة الكبيرة التي تجاوز حجمها 30 مترًا مربعًا، والتي إختارها المؤرخ الفني جيجس فان هينزبيرغين، لتكون موضوع كتابه «سيرة لوحة»، والذي صدرت ترجمته الألمانية قبل أيام.
المؤرخ الفني المعروف في الأوساط الأكاديمية الأوروبية قدم كتابه بجملة لبيكاسو: «نحن الفنانين لا يمكن أن نجدب»، قال بيكاسو عام 1949، «حتى لو كنت في سجن، أو في معسكر اعتقال، فإنني سأتحكم في عالمي الفني، حتى إذا اضطررت أن أرسم لوحاتي بلساني الرطب على أرض الزنزانة». رجل مثل بيكاسو لابد أن يصدق المرء كلماته. الرسالة السياسية التي حوت عليها لوحته فهمها الصديق والعدو جيدًا، فهي كانت بمثابة النذير، الرمز الذي أوصله بيكاسو إلى العالم، رغم أنها تتحول في كتاب (جيجس فان  هينزبيرغين) إلى تعبير غير مناسبة «رديف لمجزرة لا أبالية!».

رحلات جيرنيكا

في إسبانيا فرانكو، لم يحصد بيكاسو عن لوحته، غالبًا، غير التشويه والقذف. على عكس ما حصل عليه من تكريم وإعجاب في العالم الديمقراطي. في أوائل عام 1939 راحت «جيرنيكا» تطوف من مكان إلى آخر. وبعد عرضها في باريس انتقلت إلى العرض في بريطانيا، وعلى هامش المعرض الذي خُصص لها، جُمعت التبرعات لمساندة الجمهورية الإسبانية. الموسورون تبرعوا بسخاء، في حين تبرع الفقراء على طريقتهم. وكان يمكن رؤية أزواجًا عديدة من البساطيل اصطفت على الأرض أمام اللوحة. إنها البساطيل التي تبرع بها أولئك الذين لم يكن في قدرتهم التبرع بالمال. ومن لم يكن في مقدوره دفع تذكرة دخول للمتحف، استطاع تعويض ذلك عن طريق التبرع بالبساطيل المستعملة، التي يمكن أن يلبسها الجنود على جبهات الحرب. لم يعد يكف مساعدة الجمهورية بالكلمات والإشارات المتعاطفة فقط. في النهاية رحلت «جيرنيكا» إلى الولايات المتحدة الأميركية. جيجس فان هينزبيرغين يصف محطة هذا المعرض الاستثنائي بكل تفاصيله، كما لو أنه نظم المعرض بنفسه.
أكثر الصفحات متعة وإثارة للاهتمام، هي تلك الصفحات التي تتحدث عن الصعوبات التي واجهتها جيرنيكا في أثناء تنقلاتها، لكي تتجنب أي ضرر. فلكي تحافظ على نفسها، كان من اللازم نزعها من الإطار الذي وُضعت فيه، قبل أن تنتقل إلى مكان جديد آخر. في سنوات الخمسينات استخدم المختصيون بتصليح اللوحات الفنية من متحف نيويورك للفنون الحديثة، طريقة يجعل استخدامها، اليوم، شعر الرأس يقف، فعن طريق طلي الجهة الخلفية من اللوحة بشمع صمغي جعلوا درجة الحرارة ترتفع في كل اللوحة. في ذلك الوقت كانت حسب جيجس فان هينزبيرغين الطريقة المثلى لحماية لوحة.

حمامة السلام

من المعروف أن بيكاسو كان قد أوصى، بأن إنتقال جيرنيكا للعرض في إسبانيا هو رهن بتحول إسبانيا الملكية آنذاك إلى جمهورية. وهذا ما جعل اللوحة تظل عقودًا طويلة في المنفى، في نيويورك أولاً، بعيدًا عن وطن مبدعها. خلال الحقبة المكارثية المعروفة بظلاميتها في الولايات المتحدة الأميركية ناصب العالم «الحر» بيكاسو العداء أيضًا. في ذلك الحين أصبح الفنان المقيم في منفاه في باريس فجأة «مخربًا»، لدرجة أن الشرطة الفيدرالية الأميركية جمعت ملفاً ضخمًا عن نشاطاته وحياته، بل لم تتردد من منحه لقب «عميل روسي»،، خصوصاً بعد رسمه حمامة السلام المشهورة، لأن الحمامة كانت بالنسبة لهم رمزًا شيوعيًا روسيًا لا غير، رسمها بأمر من الروس! لم تعرف شرطة مكارثي اليمينية الحماقة التي ارتكبتها، فحسب جيجس فان هينزبيرغين، أن بيكاسو اتخذ، في الحقيقة، هذه الحمامة من موديل حمامة من مدينة ميلانو الإيطالية. خلال الحرب الفيتنامية راح العديد من رافضي الحرب الأميركية هناك يقارنون ما يحدث هناك من قصف وتدمير بمدينة جيرنيكا.

طاولة بيكاسو

ومن الطرائف التي يرويها جيجس فان هينزبيرغين عن بيكاسو، هو أنه كان على قناعة، بأن الرسامين يعمَّرون أطول من بقية الناس. ولكي يوضح بيكاسو السبب قال: «عندما أرسم، أترك جسدي خارجًا أمام الباب، كما يفعل المسلمون عندما يتركون أحذيتهم أمام المسجد». وكما يبدو له، كان بيكاسو يقاوم الشيخوخة بهذه الطريقة، فطالما هو يرسم، فإنه لن يشيخ، هذا ما جعله ربما يقيم في أتيليه ليل نهار،  يرسم اللوحة تلو اللوحة، ليس من الغرابة إذن أن يتمكن الفنان المولود عام 1881 عيش فترة الستينات أيضاً. ومن منفاه الفرنسي رأى كيف أن حكومة فرانكفو بدأت تتهاوى شيئاً فشيئاً، وكيف أن بعضهم بدأ يتحدث عنه، أو عن أحد أعماله الفنية، بشكل إيجابي في إسبانيا. في يوم عيد ميلاده التسعين مثلاً، في 25 تشرين الثاني (اكتوبر) 1971، ومن أجل الاحتفاء بتلك المناسبة بنى صاحب الحانة المحببة لبيكاسو في فترة شبابه المبكرة التي عاشها في العاصمة الكتالانية برشلونة، منضدة خاصة قال إنها تليق ببيكاسو: عند نهاية الطاولة وضع بورتريه لبيكاسو، منسوخًا عن لوحة للرسام الكاتالاني رامون كاساس، فيما وضع إلى جانبه باقة ورد، أمامها قطعة خبز وجرة فيها نبيذ. للأسف لم يأت الضيف الذي كان صاحب الحانة يتوقع زيارته، لكن الشرطة أيضاً لم تأت، كما كانت العادة قبل سنوات. لم يصل بيكاسو إسبانيا قط، بدلاً عنه وصلت جيرنيكا بعد سنوات. وصول لوحته الخالدة إلى مدريد، لم يعشه الرسام للأسف. بعد مشاكل طويلة لا تُحصى، لم تستقر اللوحة في أسبانيا الجمهورية، كما أوصى بيكاسو، لكنها وصلت، في الأقل، إلى إسبانيا الديمقراطية، وهذا ما لم يكن في حسبان بيكاسو! كل ذلك يرويه جيجس فان هينزبيرغين بالتفصيل.
«سيرة لوحة»، هو كتاب غني بمحتواه بصورة غير عادية، كل تفصيل في صفحاته التي تزيد على الأربعمائة صفحة، يعيد تذكيرنا باللوحة الخالدة التي أبدعها بيكاسو، لكن أيضاً، يجعلنا نتساءل، تُرى كيف هي المدينة غيرنيكا التي رسمتها اليوم، بالتأكيد، كان بيكاسو وهو يرسم سيرة مدينة جيرنيكا، كان يرسم أيضاً سيرة لوحة لا تشيخ!



100% 75% 50% 25% 0%


مقالات اخرى لــ  نجم والي

  Designed & Hosted By ENANA.COM

  الاسبوعية تصدر عن مؤسسة خندان للبث و النشر , العراق – بغداد