
وردني الإيميل الآتي من صديق وفاعل خير ينقل فيه سلوك اليابانيين أيام محنتهم الأخيرة في الإعصار المدمر وانفجار المفاعل النووي وما عانوه وكيف تصرفوا أثناءه. الأمم تمتحن وقت الكوارث والتغيرات الكبرى ويتبين معدنها الحقيقي أثناء الأزمات، حيث الإنسان يشد أزر الإنسان، ولا يفكر بخلاصه الفردي وفق أشد غرائز الأنانية وحشية وقسوة. شهدنا جميعاً ما حل بالعراق بعد سقوط نظامه السياسي في 9 نيسان (أبريل) 2003 عندما انتقم البعض من كل شيء: كانوا ينتقمون من تراثهم ومؤسساتهم وممتلكات بلدهم في لحظة انتقام من الذات المستلبة قبل أن تكون انتقاماً من دولة قاسية. ردة الفعل أحد أشكال التعبير عن الشخصية... فإن أضعك في موقف ما فردة فعلك هي شخصيتك بكل ما تختزنه من معارف وخبرات وتاريخ شخصي، فقيرة كانت أو غنية. اليابانيون أغلبهم علمانيون... فمن اين جاءوا بهذه الفضيلة؟ الإسلاميون ليسوا ملائكة خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالسلطة والنفوذ والوجاهة... الفضيلة، إذن، ليست مفهوماً دينياً، بل هي سلوك أخلاقي قد يبديه حتى الكفرة. عشرة أشياء نتعلمها من اليابانيين في محنتهم الاخيرة: ١-الهدوء: لا منظر لضرب الصدر أو النواح. الحزن في حد ذاته سمو... ففي لحظة انفجار مفخخة، مثلاً، تكتسب التضحية والمبادرة معنىً شخصياً، والمواطن لا يسأل القتيل أو الجريح عن هويته الدينية أو الطائفية. في لحظة الخطر الماحق: الإنسان أولاً. ٢-الاحترام: طوابير محترمة للماء والمشتريات. لا كلمة جافة ولا تصرف جارح، لأن الشعور بالمساواة يتضاعف في لحظات المحنة. ٣-القدرة: عمارة فائقة الدقة. المباني تأرجحت ولم تسقط... لأن بناء المدن تم بإخلاص وليس على أيدي مقاولين لصوص. ٤-الرحمة: الناس اشتروا ما يحتاجونه فقط لقوت يومهم حتى يستطيع الكل الحصول على الضروري. ٥-النظام: لا فوضى في مراكز التسوق والدكاكين والمحلات. لا فوضى مرور ولا خرق لقوانين الطرق والمواصلات... فقط استيعاب وتفهم الحالة والشوارع ملك للجميع. ٦-التضحية: خمسون عاملاً آثروا البقاء (رغم خطر الموت) في المفاعل النووي يضخون ماء البحر فيه لغرض تبريده. كيف يمكن ان يكافأوا؟ ٧-الرفق: المطاعم خفضت أسعارها. أجهزة الصرف الآلي تُركت في حالها. القوي اهتم بالضعيف. المفارقة أن أسعار السلع في العالم العربي والإسلامي تتضاعف خلال المناسبات الدينية، مثل شهر رمضان، بينما نرى في بلدان الغرب تتسابق المحلات الكبرى والشركات التجارية على تخفيض الأسعار في الكرسماس والأولمبياد اللندني والمناسبات الدينية والاجتماعية الأخرى. ٨-التدريب: الكبار والصغار، كلهم، عرفوا ماذا يفعلون بالضبط... وهذا ما فعلوه ونجحوا فيه. ٩-الإعلام: أظهروا تحكماً رائعاً... لم يكن هناك مراسلون يبحثون عن الإثارة وتوظيف الحدث سياسياً وإعلامياً. تقارير هادئة ومهنية وما يذاع صورة لما يحدث بالضبط. ١٠-الضمير: عندما انقطعت الكهرباء في المحلات أعاد الناس ما بأيديهم إلى رفوف المخازن وغادروها بهدوء. الفضيلة تنبع من ضمير الانسان، وليس شعاراً دينياً أو سياسياً. تقرير للشرطة اليابانية: أعاد مواطنون الى مراكز الشرطة ما يعادل مجموع 86 مليون دولار جمعوها من جثث الموتى التي تحت الانقاض جراء حادث انفجار المفاعل النووي. ينبع سلوك المواطن من شعوره بمواطنيته، وعندما يتأكد بأن وطنه يعطيه فهو يعطي وطنه عن طيب خاطر. في بريطانيا تبرع سبعة آلاف وخمسمئة شخص بمئة وخمسين ساعة من وقت كل منهم ليشارك في بروفات الأولمبياد التي بلغت حوالي ثلاثمئة بروفة، وهذا نابع من الحس بالعدالة عدا شعور المواطن البريطاني بأن تطوعه إنما يصب في خدمة وطن يخدمه لا يضطهده ولا يطرده خارج حدوده لأنه لا يؤيد حكومته.
|