ثلاثية اللاجئين والمعابر والأكراد تكاد أنقرة لا تحصد من الأزمة السورية سوى الخسائر. فبعد أكثر من سنة ونصف على اندلاعها اتّـسعت دائرة المخاطر الأمنية والعسكرية، التي تهدد الأمن القومي التركي، كما اتسع الشرخ المذهبي والإتني بين المكوِّنات الاجتماعية التركية، وتعمقت المشكلات السياسية والاقتصادية بعدما صارت مصائب سوريا هاجسا بل صداعا مؤلما في تركيا اقرب الى الكابوس.

لم يستشعر المسؤولون الأتراك في وقت مبكِّـر مخاطر انعكاس الأزمة السورية على بلادهم، لأن كل حساباتهم كانت تراهن على سقوط سريع للنظام السوري، على غرار ما حصل لنظامي حسني مبارك في مصر وزين العابدين بن علي في تونس، أو على امكان تدخل عسكري خارجي، كما حصل في ليبيا. حتى إذا لم يصّح هذا الرِّهان كان الإرتباك والخيبة والهروب إلى الأمام، السمة الأساسية للسياسة التركية تُجاه سوريا وما تستتبعه من خسائر ومخاطر. المخاطر الأمنية معروفة وهي تترجم من جانب «حزب العمال الكردستاني» بتكثيف الهجمات العسكرية على الجيش التركي في جنوب شرق البلاد وفي داخل المدن مثل غازي عينتاب وصولا إلى أقصى غرب تركيا مثل أزمير. وظهور واقع كردي جديد في شمال سوريا مستغلا حالة الفراغ يضيف شريطا كرديا آخر يطوق تركيا، وتداعياته الاجتماعية والاقتصادية أكثر خطورة على البنية التركية. أكثر من دراسة اقتصادية تؤكد الانعكاسات السلبية للأحداث في سوريا على الاقتصاد التركي. ومع أن الأرقام التركية لا تزال مقبولة، غير أن اقتصادات المحافظات المحاذية لسوريا تكاد تعلن حالة الإفلاس، سواء لجهة الصادرات والواردات إلى سوريا ومنها أو عبرها إلى الدول العربية ولا سيما الخليجية، أو لجهة حركة عبور الناس في الاتجاهين. وقد أصيب قطاع النقل في تركيا بضربة قوية بعدما أغلقت تركيا نفسها معبر «جيلفيي غوزي» الحيوي المؤدي إلى حلب، الذي كان يعتبر شريان الحياة لمنطقة الاسكندرون (هاتاي بالتركية) وتكاد أكثر من 7 آلاف شاحنة نقل خارجي تصدأ في مرائبها. ويقول رئيس اتحاد صادرات البحر الأبيض المتوسط علي كافاك إن حجم تصدير الخضار والفواكه تراجع بنسبة أربعين في المئة، لكن الكارثة ستظهر في شهر ايلول (سبتمبر) الجاري لأن 90 في المئة من الشاحنات المتوجهة إلى السعودية والإمارات وقطر والأردن تمر عبر سوريا. ويضيف إن ربع خضار تركيا تصدرها هاتاي وهي تحتل المرتبة الأولى في تركيا في نسبة شاحنات النقل الخارجي. ويعتبر رئيس جمعية النقل الدولي روحي انغين أوزمين إن الكارثة الكبرى هي أن هاتاي كانت تصدر سنويا نحو ثلاثة مليارات دولار، أما الآن فالرقم صفر. وقد أظهرت دراسة لمركز «تيباف» التركي أرقاما كبيرة تراجعية لاقتصادات المحافظات المجاورة لسوريا. هذا فضلا عن تراجع حركة السياحة إلى نقطة الصفر من سوريا وعبرها.
أزمة اللاجئين
وحركة تدفق اللاجئين من سوريا إلى تركيا لم تنقطع، وبمقياس التأثيرات الاجتماعية هي سلبية إلى حد كبير. ولقد ابتلى الشرق وابتليت المجتمعات الإسلامية منذ قرون بلوثة المذهبية. ومع أن تركيا دولة علمانية لكنها نفسها لم تنجح في القضاء على النزعة المذهبية في داخلها بين السنّة والعلويين. ومع وصول عشرات آلاف اللاجئين السوريين الى تركيا برزت ظاهرة خطرة هي أن عددا كبيرا منهم قد حملوا معهم حساسياتهم المذهبية إلى تركيا، وشرعوا في ترجمتها من خلال سلوكهم في المقاهي والمستشفيات والفنادق بحيث لا يريدون اختلاطا أو تعاملا مع من يختلف عنهم في المذهب من المواطنين الأتراك. وبدورهم عامل قسم من الاتراك «ضيوفهم» السوريين بالمثل، وكأن تركيا لا يكفيها ما هي فيه من توترات مذهبية. وقد بات تدفّـق اللاجئين ينعكِـس على العلاقة بينهم وبين المجتمع التركي، بحيث أن الكثير منهم بات يتصرف بسلوك شائن، كأن لا يدفع الكثير منهم فواتير المطاعم أو الفنادق وما شابه، ما أثار شكاوى وتذمرا لدى شرائح تركية. ومع انتقال عدوى المذهبية بين لاجئين أو مسلحين سوريين من جهة، ومواطنين أتراك، فإن الأمر تجاوز كل ما هو معقول ومَـنطِـقي، وهو يترك الحكومة في حرَج كبير أمام الرأي العام التركي ويضعها في موقع لا تُـحسد عليه. فقد ترك ذلك تأثيرات سلبية على الصراع السُـني - العلوي في تركيا عبْـر الكثير من المشاكل والتوترات في القُـرى العلوية أو من خلال تصاعد النبرة المذهبية في خطاب مسؤولي حزب العدالة والتنمية. وكانت تركيا من أول الدول التي أثارت مسألة ظهور مشكلة لاجئين سوريين، قبل أن تطأ قدم نازح واحد الأراضي التركية أو أراضي أي دولة أخرى. وقد بادرت حكومة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، الى إقامة بيوت جاهزة على الحدود مع سوريا في منطقة الاسكندرون، «تحسبا» لتدفق اللاجئين. ووجِّـهت الاتهامات إلى حكومة أردوغان، بأنه يستدرج ظهور مشكلة لاجئين بهدفين: الأول، هو التشهير بالنظام السوري أمام الرأي العام العالمي، والثاني، إيجاد ذريعة للحكومة التركية، إذ كان في نيَّـتها القِـيام بعمل ما ضد سوريا، بمعزل عن طبيعة مثل هذا العمل. لكن مع احتفاظ الرئيس السوري بسلطته وقوته العسكرية من جهة، وتأسيس ما يسمّـى بـ «الجيش السوري الحر» واتِّـخاذه الأراضي التركية ظهير امن وقاعدة التدريب وتسهيل أنقرة تسلّـل عناصره داخل الأراضي السورية، بدأت مشكلة اللاجئين تتّـخذ أبعادا جديدة مختلفة، بحيث أن الوجه الإنساني للقضية، بدأ يختلط بالبُـعد العسكري وبالبُـعد المالي، لما يشكِّـله من عِـبء على تركيا.
المنطقة العازلة
وكان وزير الخارجية التركية أحمد داود اوغلو، في وقت سابق من السنة الماضية قد قال إنه إذا وصل عدد اللاجئين السوريين إلى خمسين ألفا، فإن تركيا ستضطرّ إلى طلب مساعدة الأمم المتحدة، لأنها لن تعود قادرة على مواجهتها بمفردها. لكن الشهور مرّت وقاربت الأعداد المئة ألف، وهنا، خرج داود اوغلو قبل أيام بالقول، إن تركيا لن تكون قادرة على استيعاب اللاجئين، إذا تجاوز العدد المئة ألف، لكنه ربط هنا المسألة بإقامة مِنطقة عازلة داخل سوريا، يتم فيها حصر اللاجئين، لكن أيضا ربطها بقرار للأمم المتحدة. البعض اعتبر أن تصريح داود اوغلو، مؤشر على أن إقامة منطقة عازلة تحظى باهتمام جدّي من جانب الإدارة الأميركية. لكن وزير الدفاع الأميركي ليون بانيتا شدد على أن هذه المنطقة ليست من أولويات واشنطن. وبعده بيوم واحد، صرح السفير الأميركي في أنقرة فرنسيس ريكارديوني، بأن اقامة منطقة عازلة، دونها عقبات جدية، فيما رأى آخرون أنها محاولة تركية للضّـغط على الغرب للسيْـر معها في إقامة هذه المنطقة. لكن يبدو من خلال بعض الوقائع أن الموقف التركي يسعى الى تجنُّـب الكثير من الأخطار، التي باتت تدهم تركيا من أكثر من زاوية. في غضون ذلك كثرت الإنتقادات للحكومة الاردوغانية، على خلفية موقفها من إقامة مخيمات للاجئين باتت تشكل عبئاً ماليا على الدولة، تقدِّر بعض الجهات أنها بلغت حتى الآن حوالي 300 مليون دولار، خصوصا وأن الأزمة المالية العالمية لم توفر تركيا من تأثيراتها السلبية. مع ذلك، فإن هذا العبْء يُـمكن تلافيه بسهولة، في ظل الدعم المالي من دول خليجية للمعارضة السورية والدول التي تستضيفها وفي مقدمها تركيا. وقبل أيام معدودة، ظهر بُعدٌ آخر لقضية اللاجئين، عندما أراد نائبان من حزب الشعب الجمهوري المعارض أن يدخلا مخيم «أبايدين»، في منطقة أنطاكيا. لكن مسؤولي المخيم، كما المحافظ، منعوهما من الدخول. وأثير لغط حول ذلك، إلى أن كشف وزير الخارجية أن المخيم يضم ضبّـاطا وجنودا فارّين من الجيش السوري، وحِـرصا على وضعهم الأمني الحساس، فصلوا عن غيرهم من المدنيين. لكن أسئلة المعارضة ظلت تلاحق الحكومة وتواكبها اتهامات بإقامة مخيمات سرية لتدريب المسلحين، ليس فقط من سوريا بل من جنسيات مختلفة. وقد كشف عضو لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان التركي محمد علي أديب اوغلو، أسماء هذه المخيمات السرية، بل إن صحفا أميركية نشرت تقارير عن تدريبات لمسلحين من جانب الإستخبارات التركية في اسطنبول نفسها. وشبح المخاوف الأمنية ليس بعيداً عن هذا كله، بحيث أن تدفّـق اللاجئين بأعداد كبيرة، بات خارج قُـدرة السلطات التركية على السيْطرة أو الرقابة الدقيقة على الأقل، سواء عبر الحدود أو في الداخل التركي، وهو ما يتيح الفرصة لطابور خامس بين اللاجئين، كي يهددوا الوضع الأمني في الداخل التركي. وفي تحقيقات قضائية تركية، جاء أن الفريق الذي كان وراء تفجير غازي عينتاب الأخير، والذي سقط من جرّائه تسعة من رجال الشرطة الأتراك، جاء من منطقة عفرين الكردية في سوريا قبل شهر ونصف، وقد كلف أستاذ مدرسة بوضع القنبلة في السيارة ونقلها وتفجيرها أمام مقر الشرطة. ومع استمرار الأزمة السورية منذ سنة ونصف وعدم قُـدرة أي طرف على حسمها عسكريا، تنتشر الفوضى في سوريا وتخرج مناطق عن سيْـطرة النظام، لا سيما على الحدود التركية. وإذا كانت تركيا توظّـف ذلك لتسهيل تمرير السلاح والمسلحين إلى سوريا، فإن التسرب المضاد من سوريا إلى تركيا، بات يشكل تهديدا جديا، من جانب المسلحين الأكراد الذين انفتحت أمامهم جبهة واسعة ضد تركيا، كما لجهة المشكلات الناتجة عن تدفّـق وتراكُـم أعداد اللاجئين. وفي ظل تداعيات ازمة اللاجئين السورين وملحقاتها هذه، قد تجد تركيا نفسها اليوم اكثر من اي وقت مضى تعيش ارتدادات الازمة السورية وتكتوي بنيرانها اكثر من غيرها، ما قد يجبرها على اعادة النظر في سياستها حيال سوريا والتخفيف من سرعة انقيادها وراء الدول الاخرى الحليفة لها في هذا الشأن. وتجدر الملاحظة الى ان هذه الازمة يمكن ان تتحول مدخلا الى تعاون ما يجمع دول الجوار السوري، من اجل الجلوس الى طاولة المفاوضات بهدف البحث عن حلول منطقية للازمة السورية ومن خلالها لما تفرع عنها من أزمات لاحقة. |