عربي دولي

 

 

 

 

اصدارات خندان


 

   
ايران في المرمى

أمين قمورية

تاريخ النشر       02/09/2012 12:00 AM


حسابات ما بعد سوريا
انعقاد قمة عدم الانحياز في طهران حدث سياسي غير مسبوق في مواكبة الاستحقاقات التي تواجه المنطقة. انه، في اعتقاد الكثيرين، «المشهد ما قبل الأخير» في مشروع حرب اقليمية لن يطول انتظارها، وما تشهده سوريا يندرج في حسابات هذه الحرب بكل أبعادها العسكرية والاستراتيجية. كيف يمكن قراءة هذه التحولات؟


هل انتقل الحديث الاسرائيلي عن توجيه ضربة عسكرية الى ايران من حيز التكهنات والتسريبات الاعلامية الى حيز التنفيذ الفعلي، وهل تقرع التهديدات الاسرائيلية طبول حرب جديدة في المنطقة؟
التهديدات التي يطلقها المسؤولون الاسرائيليون ضد الخصوم لا تندرج كلها بالضرورة في إطار الحرب النفسية، وليس كل ما تكتبه الصحافة الاسرائيلية تسريبات لرصد ردود فعل المعنيين. وقد جرت العادة لدى المحللين العرب، ان يبحثوا عن «الوجه الاخر» او «الملغوم» و«المفخخ» في كل ما يصدر من اسرائيل، في محاولة لنفيه او تأكيده تبعا للمصلحة السياسية او التمنيات، متناسين ان ليس كل ما يكتب ويقال «مدسوسا» وأنه في كثير من الاحيان يعتمد على معلومات حقيقية وتهديدات فعلية ينبغي أخذها في الاعتبار. 
ومنذ أشهر كثر الحديث في اسرائيل عن احتمال توجيه «ضربة قاصمة» الى المشروع النووي الايراني قبل الانتخابات الاميركية في الخريف المقبل. وكالعادة بنى الخصوم العرب للايرانيين أوهاما وأحلاما قد تتأتى من هذه الضربة التي قد تخلصهم من «التهديد الفارسي». وفي المقابل، استخف انصار المقاومة والممانعة بهذه التهديدات محذرين من ان اي مغامرة كهذه قد تفتح «صندوق باندورا» في العالم ولن ينجو من شروره أحد.
‎وتؤكد وسائل الاعلام الاسرائيلية أن رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو يبدو مصمما، ومعه وزير دفاعه ايهود باراك، على توجيه ضربة الى المنشآت النووية الايرانية قبل تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، خلافاً لرأي القادة العسكريين الاسرائيليين الذين يحذرون من مثل هذا الهجوم وتبعاته.
ويرى المراقبون أن ما جرى في العام 1981، أي ضرب المفاعل النووي العراقي، مختلف جداً عن ضرب ايران. والخبراء في الشؤون العسكرية والامنية يرون ان ايران ليست كالعراق او سوريا، وقد وزعت منشآتها النووية وحصنتها تحت الارض، ما يعني أن النصر الخاطف ليس مضمونا لمن يستهدفها وقد تجد اسرائيل نفسها في حرب مفتوحة مع ايران ومع المسلمين الشيعة على مستوى العالم كله. كما ان مثل هذا التطور قد يجر الولايات المتحدة الى حرب رغما منها ما سيكون له انعكاس سلبي على علاقة اسرائيل بأهم حليف لها في العالم.
ورغم تبرير الخبراء القلق الاسرائيلي من البرنامج النووي الايراني، وتركيزهم على «الفوائد» التي تحققت من منع العراق وسوريا من تطوير سلاح نووي، الا انهم ينصحون بأن يعمل نتنياهو وباراك على حض الاسرة الدولية على لجم الطموح النووي الايراني بدلا من الحرب. وقد حذرت صحيفة «الغارديان» البريطانية من ان الهجوم على ايران يعني نهاية اللعبة بكل ما تحمل من مخاطر، وكثيراً ما حذر القادة العسكريون في اميركا وبريطانيا من عواقب مثل هذا الهجوم. وأشارت الصحيفة الى ان الجيش الايراني لن يجاري الضربات الغربية، لكن ايران سوف تعمد الى اطلاق يد منظمات كحركة المقاومة الاسلامية «حماس» و«حزب الله» لتنفيذ عمليات ضد اهداف غربية في الشرق الاوسط، كما انها سوف تستهدف القوات الاميركية والبريطانية في افغانستان، فضلاً عن استهداف القواعد الاميركية والبريطانية في قطر والبحرين واغلاق مضيق هرمز الذي تمر عبره 50 في المئة من امدادات النفط العالمية. ومع ذلك هناك من يرى ان كل ذلك ثمن بسيط لمنع ايران من امتلاك السلاح النووي، وهي الحجة التي تركز عليها اسرائيل للحض على عمل عسكري ضد ايران.
«الغارديان» أشارت بالمناسبة الى ان هذه النافذة ستترك مفتوحة امام كل من اميركا وبريطانيا لتوجيه ضربة الى ايران قبل ان يصل البرنامج النووي الى نقطة اللاعودة، وقالت ان من سيتخذ قرار الحرب يفترض ان يضع امامه كل الاحتمالات، بما في ذلك ما يمكن ان تكون عليه الاوضاع في ايران بعد الحرب، وما اذا كانت الضربات الجوية تقضي على البرنامج النووي الايراني، وما اذا كان من الممكن ان تنتقل هذه الاسلحة الى «الارهابيين». وتقول الصحيفة ان اسرائيل تملك ترسانة نووية كبيرة، الا ان الغرب يرى ان الوضع في ايران مختلف لوجود حكومة متشددة، لكن على الغرب ايضا ان يعي ان الصورة المكونة لديه عن ايران ليست حقيقية، فالمجتمع الايراني اكثر تعقيدا وتنوعا، وضرب ايران يعني ببساطة التفاف الشعب حول القيادة ووقف اي محاولة للاصلاح.
تستطرد «الغارديان»: ان الربيع العربي سيتحول الى شتاء بسبب العواقب الكارثية على المصالح الاميركية والاوروبية في المنطقة وعلى المجتمعات العربية بما في ذلك السعودية. الضربة إذن ليست حتمية، لأن أسبابا كثيرة قد تجعل تنفيذها كابوسا مرعبا، لن تكون تداعياته أقل من تلك التي خلفتها الحرب العالمية الثانية، الأمر الذي يوجب أن تفكر واشنطن وتل ابيب آلاف المرات قبل القيام بهذه المهمة «الأبوكاليبتية».

خلافات اسرائيلية

من هنا تبدو قراءةُ الموقف الإسرائيلي من توجيه ضربةٍ عسكرية للبرنامج النووي الإيراني، أكثرَ تعقيدًا مما تبدو للوهلة الأولى، فالأمر لا يتعلق فقط بالخلافات الواضحة بين المستوى السياسي المتحمس للضربة العسكرية والمستوى العسكري الذي يبدي تحفظًا كبيرًا على الخطوة، لأن هناك خلافات جذرية في الوسط السياسي نفسه في شأن هذه المسألة، والرئيس الإسرائيلي شيمون بيريس يتزعم معسكرًا واسعاً داخل الدولة العبرية يعارض بقوةٍ توجيه الضربة. وصحيح أنَّ بيريس- عمليًّا- لا يتمتع بصلاحيات، لكنْ ما لا شك فيه أنَّ تجربته غنية في المجالين السياسي والأمني وهو يعتبر «أبو المشروع النووي الإسرائيلي»، ومواقفه ذات تأثير كبير على الرأي العام الإسرائيلي.
وداخل الحكومة يبدي نائبُ رئيس الوزراء ووزير الشؤون الاستراتيجية الجنرال موشيه يعلون، معارضةً شديدة لضرب إيران، وعلى مستوى موقف القيادات العسكرية فإنَّه، رغم أنَّ المستوى العسكري في إسرائيل يخضع لتعليمات المستوى السياسي، ويأتمر بأوامره، فإنَّ رئيس الحكومة الذي يمثل المستوى السياسي، لا يمكنه تجاهل الرأي المهني للمستوى العسكري. وبما ان كلاً من رئيس أركان الجيش بني غانتس، ورئيس الموساد تامير باردو، ورئيس الاستخبارات العسكرية أفيف كوخافي، يعارضون توجيه ضربةٍ لإيران في الوقت الحالي، فإنَّ نتنياهو لا يمكنه أنْ يأمر بتنفيذ العملية، لأنَّه في حال فشلت فإنَّه شخصيًّا سيتحمل المسؤولية عن هذا الفشل.
والحُجَّة التي يقدمها المستوى العسكري للاعتراض على توجيه الضربة تقوم على أساس أنَّ إيران في حال تعرضت لضربةٍ عسكرية إسرائيلية، فإنَّها ستنتقل بعدها إلى تطوير المشروع النووي بشكل علني وبوتيرة عالية، وسوف يكون في امكانها عندئذ القول إنَّها تعرضت للهجوم من دولة تملك سلاحًا نوويًّا، وبالتالي هي محقة في مواصلة مشروعها النووي. من هنا، فإنَّ جنرالات إسرائيل يرون أنَّه قبل تنفيذ الهجمة العسكرية على إيران يتوجب التوصل الى تفاهم مع الأميركيين، يقضي بأن يضمنوا عدم استغلال طهران الضربة لإحداث طفرة في مشروعها النووي. 
التحفظ الاميركي

في الوقت ذاته، يرى قادة عسكريون في إسرائيل أنَّ التفاهم المسبق مع الأميركيين يضمن تدخلهم عسكريًّا لتقليص حجم ردة الفعل الإيرانية، علاوة عن أنَّ المساعدات اللوجستية والعسكرية الأميركية ستسهم في تحسين قدرة الجيش الإسرائيلي على تحقيق أكبر قدر من الإضرار بالمشروع النووي الإيراني. لكنَّ الأميركيين- الذين يتفقون مع الإسرائيليين بأنَّه يتوجب عدم السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي بكل السبل- إلا أنَّهم، في المقابل، يرون أنَّه لا حاجة لاستخدام الخيار العسكري حاليًّا، سيما في الوقت الذي تؤتي العقوبات الاقتصادية أكلها.
سبب آخر يدفع الرئيس باراك أوباما الى عدم تفضيل الخيار العسكري، هو إنَّه يخشى أنَّ ضربةً عسكرية إسرائيلية لإيران ستؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط بشكل جنوني، ما يؤثر سلبًا على الاقتصاد الأميركي، ويهدد فرصته في ولاية رئاسية ثانية. والأميركيون يحرصون على تبرير وجهة نظرهم بالمعطيات والأرقام، ويقولون إنَّ العقوبات التي فرضت على إيران أدت إلى هبوط حجم مبيعات النفط الإيرانية بنسبة 40 في المئة، أي خسارة 40 مليار دولار في السَّنَة، ما دفع الإيرانيين إلى تقليص وتيرة إنتاج النفط إلى الحد الأدنى. ويؤكد الأميركيون- أيضًا- إنَّ العقوبات المفروضة على المصارف الإيرانية تعيق تنفيذ الصفقات وإدخال العملات الأجنبية، ويشيرون إلى أنَّ الإيرانيين يضطرون للتوجه إلى دول خليجية مع حقائب من المال لعقد صفقاتهم. ولا يفوت الأميركيين أنْ يشيروا إلى حقيقة أنَّ المواطن الإيراني بات يشعر بتأثير العقوبات، بحيث تقلص الدعم الحكومي للسلع الرئيسة، وفي الوقت ذاته وصلت نسبة التضخم إلى 40 في المئة، وبحسب المعطيات التي تنقلها واشنطن فإنَّ البطالة تعاظمت، والعملة الإيرانية فقدت 65 في المئة من قيمتها، ما جعل الكثير من المصانع تغلق أبوابها لأنَّها لم تعد تتمكن من تحمل نفقات استيراد المواد الخام وقطع الغيار. 
لكنَّ نتنياهو يرد قائلًا: إنَّ هذه العقوبات هي أقصى ما يمكن أنْ تفرضه أميركا والعالم على إيران، ومع ذلك فليس هناك مؤشرات على إمكان إحداث تغيير في الموقف الإيراني المصمم على مواصلة تخصيب اليورانيوم. وهناك نقطة خلاف أخرى بين الأميركيين والإسرائيليين تتمثل في تحديد «الخط الأحمر» الذي يوجب استخدام القوة العسكرية ضد إيران في حال تجاوَزَتْه، فالأميركيون يرون أنَّ هذا الخط هو انتقال الايرانيين إلى تخصيب اليورانيوم بنسبة أكبر من 20 في المئة، وهم يرون أنَّه في إمكان الإيرانيين أنْ يصلوا إلى هذه النسبة من دون أنْ يكون الأمر مقترنًا بخطرٍ ما، وهذا ما يرفضه نتنياهو الذي يرى أنَّه في حال تمكن الإيرانيين من تخصيب يورانيوم بنسبة 20 في المئة فإنَّهم بذلك يكونون قد قطعوا 90 في المئة من الطريق نحو القنبلة النووية.
وقد يجد نتنياهو في النهاية في نتائج العقوبات على إيران مسوغًا للعدول عن مخططات الهجوم، على الأقل في الوقت الحالي، لكنْ في حال تبين أنَّ الإيرانيين يواصلون تطوير برنامجهم النووي فإنَّ نتنياهو قد يتجه الى توجيه الضربة التي يعتبرها تتويجاً لحياته السياسية.
ويخشى نتنياهو وباراك من أن يؤدي عدم توجيه هذه الضربة الى طهران في الاشهر الثلاثة المقبلة إلى إرجاء هذه العملية إلى أجل غير مسمى، وقد يكون هذا الوقت كافيا كي تدخل ايران النادي النووي ويصير من الصعب تاليا اضعافها ووقف طموحاتها، وتشير بعض التقارير إلى أن توجيه مثل هذه الضربة في الوقت الحالي سيعرقل من قدرات ايران على صنع قنبلة نووية ويؤخرها لمدة عامين على الأقل. ‎وهكذا تصير مسألة توجيه الضربة احتمالا واردا وجديا أكثر بكثير مما يعتقد البعض، ذلك ان ايران ليست باكستان او الهند النوويتين لأنها تغرد خارج السرب الاميركي. والطموحات السياسية لطهران لا تقف عند حد. فايران النووية تعني فعليا القوة السياسية المهيمنة والمتحكمة بالمثلث الذهبي العالمي للنفط، وهذا ما لا تقبله اطلاقا الولايات المتحدة التي لم ولن تتخلى عن هيمنتها العالمية المطلقة سياسيا وعسكريا. للتذكير فقط، شنت واشنطن حربا عالمية لتحرير الكويت، وهي «ساقية» نفطية مقارنة بـ«المحيط النفطي» الذي قد يسقط في يد ايران. كذلك فان ايران النووية تعني ندا موازيا لاسرائيل بل تتفوق عليها في القدرة على التعبئة البشرية والعقائدية، وهذا ما يمكن ان يهدد الدولة العبرية «وجوديا»، الأمر الذي لا يقبله أي اسرائيلي أو أي جالس في البيت الابيض ولو كلف الامر القيام بمغامرة سوداء. وأخيرا فان تحالف ايران النووية مع روسيا والصين النوويتين قد يغير وجه العالم على غرار تحالف المانيا واليابان وايطاليا في أربعينيات القرن الماضي، وهذا ايضا أمر غير مقبول في الغرب.
التوقيت الذي تتحدث فيه الصحافة الاسرائيلية عن ضربة جراحية قاسية للمفاعلات النووية قبل الانتخابات الاميركية، يبدو ايضا مثاليا في الحسابات التكتيكية والاستراتيجية لأسباب كثيرة. وسيناريو كهذا، ولو لم ينفذ، يفترض أخذه على محمل الجد، ذلك ان هذا العالم يسيّره جنون المصالح وليس حكمة العقلاء.



100% 75% 50% 25% 0%


مقالات اخرى لــ  أمين قمورية

  Designed & Hosted By ENANA.COM

  الاسبوعية تصدر عن مؤسسة خندان للبث و النشر , العراق – بغداد