تحقيقات

 

 

 

 

اصدارات خندان


 

   
غــربــاء في أوطانهم

تاريخ النشر       06/05/2012 12:00 AM


640 مليوناً يريدون الرحيل
في العام 2001، وبمناسبة حصوله على جائزة نوبل للسلام، كتب كوفي أنان: ان الحدود الحقيقية التي تفصل الدول بعضها عن البعض الآخر، ليست الحدود التي نعرفها. إنها الحدود بين الدول القوية والدول الضعيفة، الدول الحرة والدول المقيدة، الدول المميزة عن غيرها والدول المهانة. اليوم، لا يمكن أن تفصل أي جدران بين الإنسانية أو حقوق الإنسان في جزء من العالم، والأزمات الوطنية للأمن في جزء آخر.
ما كتبه أنان يصلح مدخلاً الى التحديات التي تواجه العولمة، وتعد الهجرة- أي حركة الناس من مكان الى آخر- من أهم هذه التحديات. لماذا يهاجر الناس؟ استطراداً: لماذا يشعر ملايين الناس بأنهم غرباء في أوطانهم، ويسعون، على طريقة الطيور المهاجرة، الى استبدالها بأوطان أخرى؟ «الأسبوعية» تحاول الاجابة.
 

استطلاع جديد أجراه معهد «غالوب» الأميركي وجد أن 640 مليون شخص في مختلف أنحاء العالم، يريدون الهجرة من بلدانهم، وربعهم تقريباً يفضل التوجه الى الولايات المتحدة. الاستطلاع الذي شمل 151 بلداً حول العالم، كشف أيضاً أن 13 في المئة من الراشدين يرغبون في العيش في بلد آخر. وقد عبر 150 مليون شخص شملتهم الاستمارة عن قرار مفاده أنهم يتطلعون الى الحياة في الولايات المتحدة، 45 مليوناً اختاروا بريطانيا، 42 مليوناً كندا، 32 مليونا فرنسا، و31 مليوناً السعودية. وفي ليبيريا قال 37٪ من المستطلعين انهم يرتاحون للحياة في الولايات المتحدة، و30٪ سيراليون، و26٪ جمهورية الدومينيكان، و24٪ هايتي، و22٪ كمبوديا.
ويقول معهد «غالوب» إنه أجرى استطلاعه عبر الهاتف على عينة من 452199 شخصاً في عمر يزيد عن 15 عاماً، وذلك في الأعوام الواقعة بين 2009 و2011، وأن هامش الخطأ فيه لا يتجاوز الـ1 في المئة.
وما لم يقله معهد غالوب ان الذين يهرعون الى أميركا وبريطانيا وفرنسا وغيرها من دول الغرب، من مشارق الأرض ومغاربها، منجذبين اليها انجذاب برادة الحديد الى مغناطيس قوي، هم اولئك اليائسون من اوطانهم، حيث لم يبق هناك مكان للمواطنة، وهم يأملون بأرض ميعاد جديدة ينعمون فيها بالحرية والخبز والكرامة والنظام وكل الضمانات، رغم صقيع الشمال الأميركي والأوروبي (في كندا تصل البرودة الى 63 تحت الصفر احياناً). والغريب ان الذين تركوا بلدانهم وأوطانهم وأهلهم في دفء الشرق الأوسط لا يتذمرون في منافيهم- أو أوطانهم- الجديدة. إنهم يحسون بالدفء على طريقتهم.
هذا كله لم يقله معهد غالوب بالطبع، ولم يقل أيضاً أن تأشيرة الخروج من بعض أو معظم البلدان العربية، الى الشوارع الغربية الباردة، إدانة مباشرة لحكومات هذه الدول التي عجزت عن أن تضمن لمواطنيها الخبز والحرية والمعرفة والكرامة، والمهمة الوحيدة التي تجيدها هي أن تمد يدها الى جيب المواطن، تسحب آخر قرش منها، من دون أن تقدم له أي مقابل. والواقع أنه من أصل 22 دولة عربية، يتراجع النمو في 17، وتندلع الحروب الأهلية في نصف دزينة على الأقل، في الوقت الذي يتضاعف عدد السكان. وعند معظم بوابات الحدود العربية تطل سحنة موظف عابس، فيتسارع نبض المواطن العربي وهو يسلم جواز سفره، ويجف ريقه وهو يتظاهر بالابتسام، ثم يبلع ريقه في انتظار صوت خاتم الموافقة.
إنهم المهاجرون العرب في كل أصقاع الأرض يهربون: كفاءات وأدمغة ورؤوس أموال، ويتركون أوطانهم بلا ادمغة، لتتحول معظم بلدان العالم العربي الى مصح للمجانين من دون اسوار ولا اطباء. أما المثل القائل «من فقد وطنه فقد كل شيء» (وهو مثل يعرفه الفلسطينيون جيداً) فانه لا ينطبق على العرب الذين يملأون كل أصقاع الأرض، ويشكلون (مثلاً) 10 في المئة من سكان مونريال من دون أن يعرفوا ذلك. هؤلاء الغرباء داخل أوطانهم يتطلعون الى وطن لا يحبونه بالضرورة، في ألمانيا أو السويد أو اسبانيا أو فرنسا، وبعضهم مستعد للزواج من أي فتاة أجنبية من من أجل القفز معها الى المجهول، هرباً من جمهوريات وممالك الخوف والجوع والبطالة والانسحاق. بعضهم الآخر على استعداد كامل لشراء جواز سفر من الأرجنتين وجمهورية الدومينيكان بعشرات آلاف الدولارات أحياناً، من أجل تحصيل جنسية لأولاده لأنه لا يريد لهم أن يرثوا المأساة التي يعيش. وكثيرون هم الذين يقولون إنه لو فتحت السفارة الكندية أبوابها من دون شروط، في أي عاصمة عربية، لزحف اليها معظم الذين بلغوا من العمر 16 ولم يتجاوزوا الستين، في فرار من سفينة الوطن التي تغرق على طريقة التايتانيك.
أما في لبنان- وربما غيره- فإن الوطن قد تحوّل، في أحسن الحالات، الى وقت قصير للاستجمام والتمتع بالطقس الجميل واستعادة ذكريات الطفولة، في الوقت الذي تغص أرحام الجامعات بخريجين لا يعملون، أو طلاب مرشحين للبطالة منذ ولدوا من بطون أمهاتهم.

من هم؟
وليس سراً أن معظم المهاجرين العرب الى الأميركيتين وبعض الدول الأوروبية هم من أهل النخبة، وقد كشفت أحدث الإحصائيات التي نشرت في الولايات المتحدة أن مواطنيها ذوي الأصول العربية أظهروا تفوقا على غيرهم من الأميركيين، الأمر الذي يطرح تساؤلاً مهماً حول أسباب هذا التفوق.
ومن اللافت في هذا الوضع القائم في الولايات المتحدة الأميركية، أن آخر إحصاء للسكان تم اجراؤه أشار إلى أن المواطنين ذوي الأصول العربية يفوقون في المتوسط ذويهم الأميركيين ثراءً وتعليماً. ففي الوقت الذي يحمل 24 في المئة من الأميركيين مؤهلاً جامعياً، يحمل 41 في المئة من العرب الأميركيين درجات علمية عالية.
وقد أورد تلفزيون وراديو «ديوتشه فيلله» الألماني أن متوسط دخل الأسر العربية المقيمة في أميركا يبلغ حوالي 53 ألف دولار سنوياً، أي أنه يفوق متوسط دخل الأسر الأخرى (43 ألف دولار سنوياً) بنسبة 4.6%. إضافةً إلى ذلك فإن حوالي نصف عدد المهاجرين يمتلك مسكناً خاصاً، فضلا عن أن حوالي 42% من المهاجرين العرب في الولايات المتحدة يشغلون وظائف مرموقة أو يعملون في مناصب قيادية، في حين أن نسبة 34% فقط من القوى العاملة الأميركية تحظى بمثل هذه الوظائف.
ويعزو الكثير من الخبراء المختصين هذا النجاح إلى معاناة هؤلاء المهاجرين العرب في أوطانهم الأصلية من حالة الفقر المدقع، التي تهمين على بعض بلدان الشرق الأوسط.
جانب آخر يرى أن أميركا تحظى بجاذبية خاصة لدى المهاجرين، تكمن في توافر الفرص والمؤسسات والعوامل المشجعة على النجاح بعكس ما هو عليه الحال في البلدان العربية. كما ان للعرب قدرة على النجاح في الولايات المتحدة لأن المؤسسات السياسية والاقتصادية تحرص أشد الحرص على الافادة من خبرات كل من يهاجر إليها. وعلى عكس النظريات التي تدّعي طغيان الفقر والتخلف على الثقافة العربية العريقة، يثبت الواقع أن ثقافة المهاجرين العرب تمثل مفتاح النجاح، إذا ما توافرت فرص العمل والعدالة الاجتماعية، التي من خصائصها الاحترام المتبادل والحياة في مجتمع يكافأ أفراده على قدر إنتاجهم. والأمر يختلف في أوروبا حيث يقف جانب كبير نسبيا من العرب والمسلمين المهاجرين ضمن شرائح السكان التي تعاني من تدني المستوى العلمي والمهني بخلاف غالبية السكان الآخرين.
جدير بالذكر أن هذا الموضوع اثار اهتمام الكثير من الخبراء والمحللين الإقتصاديين الغربيين فقد تساءل رئيس تحرير مجلة «فورين بوليسي»، في مقاله «العرب في أراض غريبة» لماذا يحقق الأميركيون المنحدرون من أصول عربية نجاحات أكثر بكثير من الأميركي العادي، كما أنهم أكثر ثقافة وأغنى؟ ورغم أن نصف العرب الأميركيين ولدوا في الولايات المتحدة، إلا أن نصفهم الآخر لم يهاجر إلى أميركا في تسعينيات القرن الماضي، ورأى أن النجاح جاء بسرعة وليس من الغريب تحقيق المهاجرين نجاحا أفضل من نظرائهم في الوطن الأصلي، لكن من غير الشائع تحقيق المهاجرين نجاحا أكبر من أبناء الوطن الجديد. ويقول الباحث أن هذه الحقيقة تدفع إلى نقاشات مهمة تتجاوز ما يحققه العرب في الولايات المتحدة في ظل «الفكرة الشائعة بأن العوامل الثقافية هي العوامل الأبرز في تفسير الفقر المفزع في الشرق الأوسط».
من جانبه يقول المؤرخ ديفيد س.لاندرز في كتابه «ثروة الأمم وفقرها» الصادر سنة 1998، ان ما تعانيه دول الشرق الأوسط، ويقصد هنا جميع الدول العربية بما في ذلك شمال افريقيا، موجود في الثقافة. فهذه الثقافة لا تولد أي قوة عمل متعلمة وكفؤة، وهي ترفض الأساليب والطرق الجديدة التي تأتي من الغرب وتشكك فيها. كما أنها لا تحترم تلك المعرفة حين يتمكن بعض الأعضاء من تحقيقها.
وتطرح تلك المقارنة بين أوضاع المهاجرين في كل من أوروبا والولايات المتحدة الأميركية تساؤلا مفاده هل يستطيع هؤلاء المهاجرين استغلال مقومات النجاح في الدول الأوروبية قدر توافرها في الولايات المتحدة، أم أن المهاجرين العرب لم يتمكنوا بعد من العثور على هذه المقومات والافادة منها؟

50 مليوناً

والهجرة من بلاد إلى أخرى ظاهرة عالمية واسعة، ويصل عدد المهاجرين سنوياً إلى أكثر من خمسين مليون إنسان. وبطبيعة الحال، تكون الهجرة من البلاد الفقيرة المضروبة بالحروب وعدم الاستقرار والبطالة، إلى بلاد مزدهرة، تحتاج إلى أيدٍ عاملة. من هنا، فإن الأكثرية الساحقة من الهجرة السنوية هي من آسيا وأفريقيا إلى أوروبا والولايات المتحدة وكندا وأستراليا.
وقد شاهدنا على شاشات التلفزيون، أكثر من مرّة، قوافل الشبان الأفارقة وهم يخاطرون بحياتهم، في طريق التسلل، عبر المغرب، إلى إسبانيا وفيما بعد إلى أوروبا. وهناك حالات إنسانية موجعة حيث تقوم الدول الأوروبية بطرد مهاجرين «غير قانونيين» بالقوة، إلى أوطانهم الأصلية. وقد هاجر أكثر من مليون عراقي في عهد نظام صدّام والهجرة من العراق مستمرة الآن أيضاً في غياب الأمن والاستقرار.
وما يبدو، منطقياً، أنه ما دامت مناطق واسعة في العالم مضروبة بالحروب الأهلية والعرقية وبالدكتاتورية الإرهابية الدموية، وبالبطالة، فإن الهجرة القانونية سوف تستمر، كما سوف تستمر الهجرة «غير القانونية».
والهجرة من البلدان العربية إلى الأميركتين بدأت في القرن الثامن عشر واتسعت أكثر في القرن التاسع عشر، هرباً من الفقر والجوع وهرباً من البطش العثماني وأخْذ الشبان بالقوة إلى الخدمة في الجيش العثماني.
والإحصائيات، تقول أن هناك أكثر من خمسة ملايين من أصل عربي في الولايات المتحدة، وان الهجرة العربية مستمرة طوال الوقت إلى الولايات المتحدة. كذلك يزداد، باستمرار، العرب في كندا، وفي أستراليا. وفي كل دول أميركا الجنوبية، جاليات عربية، بعضها كبير ومؤثر في الحياة العامة، كما في تشيلي والبرازيل.
والحقيقة ان عائلة تهاجر إلى دولة بعيدة تكون مستعدة لأن تندمج مع الوقت، بالحياة العامة، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للوطن الجديد. ومن الجيل الثاني والثالث، يتبنّى المهاجرون وأبناء المهاجرين اللغة المحلية والتقاليد العامة في الدولة التي وفدوا إليها.
هل يعني هذا أن العرب سوف «يذوبون» في المجتمع الأميركي أو الكندي أو الأسترالي؟ الجواب هو نعم. فقد ذاب المهاجرون البريطانيون والايرلنديون والفرنسيون والبلجيكيون في المجتمع الأميركي، المهاجرون اليونانيون والعرب، منذ القرن التاسع عشر ذابوا في أميركا، وكذلك المهاجرون المكسيكيون في الولايات المتحدة. والأمة الأميركية، كلها، مزيج من مهاجرين، قصدوها من عشرات الدول، لبناء المجتمع الجديد وتطويره.

«غالوب» العراقي
بين عامي 2010 و2011 ارتفعت نسبة العراقيين الذين يرون أن نوعية حياتهم متردية الى الحد الذي يشعرون معه بأنهم «معذبون»، من 14 الى 25 في المئة.
الرقم نستعيره من دراسة لـ«غالوب» اياه تكشف أن 7 في المئة فقط من العراقيين يعتبرون أن حياتهم «مزدهرة»، وهي أدنى نسبة سجلتها المؤسسة في العراق منذ العام 2008.
وقد صنفت مؤسسة غالوب حياة العراقيين الذين شاركوا في الاستطلاع على مقياس من ثلاث درجات هي «مزدهرة» و«شاقة» و«معذبة». وكانت نسبة العراقيين الذين يحسون بأنهم يعيشون حياة ًمن المعاناة أعلى نسبة بين بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في العام 2011. ومن جهة أخرى فان نسبة الذين يشعرون بأنهم يعيشون حياة «مزدهرة» هي الأدنى في المنطقة.
كما تدهورت حالة العراقيين النفسية بالتزامن مع تراجع أوضاعهم الحياتية، إذ تضاعفت نسبة العراقيين الذين يعانون ضغطا نفسيا أو توترا عصبيا من 34 في المئة في العام 2008 الى 70 في المئة في أيلول (سبتمبر) 2011. وارتفعت نسبة الغاضبين والساخطين من 38 في المئة الى 60 في المئة في الفترة نفسها.
وكانت نسبة العراقيين ذوي المشاعر السلبية كالحزن والتوتر والغضب أعلى من نسبة ذوي المشاعر الايجابية مثل المتعة والسعادة. واستمر هذا الاتجاه منذ بدء الاستطلاع في العام 2008 الذي سجل بوادر اتجاه ايجابي استمر حتى العام 2010.


100% 75% 50% 25% 0%




  Designed & Hosted By ENANA.COM

  الاسبوعية تصدر عن مؤسسة خندان للبث و النشر , العراق – بغداد

Pharmacy shop no prescription:Flucort CreamViagra Oral JellyEstradiol Valerate