صحتك

 

 

 

 

اصدارات خندان


 

   
‎الماء الابيض (2):

الدكتور فخري مشكور

تاريخ النشر       18/12/2011 12:00 AM


في سفرة طويلة جلس الطبيب في المقعد خلف سائق الباص الذي انطلق قبل الغروب بسرعة اقلقت الطبيب وحملته على تنبيه السائق الى أن سرعته تتجاوز السرعة المسموح بها في هذا الشارع بحسب ما هو مكتوب على اللوحة الارشادية، فكان جواب السائق الشكوى من عدم وضوح الكتابة على اللوحة، وألقى اللوم على ادارة المرور التي لا تكتب الارقام بوضوح.
وكي يعزز اتهامه لغيره فقد أومأ الى الاشارة الضوئية قائلاً: انظروا الى هذه الاشارة... ان مصابيحها متسخة منذ شهور ولا تجد من ينظفها.
أدرك الطبيب أن المشكلة ليست في ادارة المرور، بل في عين السائق الذي لا يرى الكتابة بوضوح، ويرى الالوان وكأنها متسخة، لكن هل سيقبل السائق إذا قال له الطبيب ذلك؟
وقبل أن يقرر تنبيهه اشتكى السائق من سطوع اشعة الشمس بصورة تجعل الرؤية صعبة.
ادرك الطبيب أن السائق المدخن الذي قارب الخمسين يشكو من عتمة العدسة (الماء الابيض) بسبب التدخين والعمر، فالمصاب بالماء الابيض لا يرى الاشياء بوضوح، ويسطع الضوء العادي في عينه فيتراءى له أن النور اقوى من المعتاد.
وفكر الطبيب مرةً اخرى في تنبيهه الى أن السبب ليس خللاً في الشمس، بل في عين السائق، لكنه انتظر حتى يفرغ السائق من تناول قدح الماء للمرة الثالثة في خلال اقل من ساعة، فسأل الطبيب نفسه: لماذا يشرب السائق هذه الكمية من الماء؟
بعد الغروب تحولت شكوى السائق من دائرة المرور وقرص الشمس الى شركة الكهرباء التي نصبت على جانبي الطريق مصابيح رديئة بحيث يصدر النور منها محاطا بهالةٍ تشوش الرؤية.
هنا قرر الطبيب أن يتدخل، فقد عرف أن السائق- اضافة الى الماء الابيض- قد يكون مصابا بمرض السكر ايضاً، فالهالة التي تطوق المصابيح هي اولى علامات الماء الابيض عند المصابين بالسكر، والسكر (كالتدخين والخمرة والعمر) من مسببات الماء الابيض... ليستعد إذاً لخوض معركة اقناع مَن يمسك  بالمقود ليعترف بصواب رأي من يجلس خلفه.
افتتح كلامه مع السائق بالقول:
‎• أتسمح لي بأن أطرح عليك سؤالاً؟
- تفضل.
‎• يبدو لي أنك تعاني من كثرة العطش.
‎- هذا أمر طبيعي، فالدنيا صيف.
‎• لكنك تعلم أن الصيف هو صيف على الجميع، وليس عليك وحدك، ولذا فان الذنب ليس ذنب الصيف.
- ماذا تريد ان تقول؟
‎• اريد ان أقول انك قد تكون مصابا بالسكر، ومن الافضل أن تراجع طبيبا وتجري فحصا للسكر.
- وكيف عرفت ذلك؟ هل انت طبيب؟
‎• نعم.
‎- طيب سأراجعك أنت.
‎• أنا يا سيدي سائح ومسافر، راجع طبيبا في مدينتك لتكون تحت اشرافه المستمر.
- حسنا، سأفعل.
‎• واسمح لي أن اقدم لك نصيحة.
-وهي؟
‎• راجع ايضا طبيب عيون لفحص عينيك.
- لا أشكو من عيني.
‎• عيناك يا سائقنا يحتاجان الى فحص، فقد تكون احداهما أو كلاهما بحاجة الى علاج.
- ماذا تقصد؟ قل لي بصراحة فأنا لا أخاف.
‎• أخشى ان تكون العدسة تعاني من الماء الابيض.
- وكيف عرفت ذلك؟
‎• اخبرتني بذلك دائرة المرور وقرص الشمس وشركة الكهرباء.
- دكتور ارجوك، كن صريحا معي.
‎• من دون ان تزعل؟
- اعدك أن لا ازعل.
‎• القاؤك اللوم على دائرة المرور التي لم تكتب لوحات ارشادية واضحة ولعدم تنظيفها الاشارة الضوئية كان بسبب عدم قدرة عدسة عينيك على رؤية الرقم الذي رأيته أنا واضحا بينما رأيته أنت غامضا، وعدم قدرتك على رؤية ألوان الاشارة الضوئية بجمالها الزاهي.
‎- وقرص الشمس؟
‎• بسبب عتمة العدسة (الماء الابيض) فإن إ شعة الشمس تبدو لك اشد سطوعا مما هي في الواقع.
‎- وشركة الكهرباء؟
‎• شركة الكهرباء وضعت مصابيح جيدة، لكن عين المصاب بالسكر والماء الابيض تجعله يرى هالة من النور حول المصابيح.
‎كان السائق لحسن الحظ مؤدبا، ورغم  امساكه المقود بيده، قبل نصيحة من خلفه، وبلغت به الموضوعية حدا جعلته يسأل:
‎• وهل من ضرورة للاستعجال في العلاج؟
- لك أنت؟ نعم.
‎• ولماذا لي انا بالذات؟
- لأنك تقود باصا يركبه اربعون انسانا وضعوا حياتهم أمانة بين يديك، ولابد ان تتمتع برؤية جيدة كي توصلهم بسلام الى حيث يريدون.
‎• بعد مراجعته طبيب العيون أخبره انه مصاب فعلا بالماء الابيض، وأن عينيه متأثرتان بهذا العارض، وان كانت احداهما أشد من الاخرى، وأخبره ايضاً أن علاجه منحصر بالعملية الجراحية، فليس للماء الابيض علاج دوائي، كما لا ينتظر ان يتحسن تلقائيا، فالسير الطبيعي لهذا المرض هو سير انحطاطي نحو الاسوأ.
سأل طبيبَ العيون:
‎• متى يتحتم علي اجراء العملية؟
- السائق والطيار والكاتب والمراقب الجوي وكل من يعتمد في مهنته على النظر الدقيق لابد أن يسارع الى إجراء العملية. وأساسا لا داعي لتأخيرها بالنسبة الى هؤلاء وغيرهم، فلا معنى للانتظار.
‎• ولو تركناها من دون علاج ماذا سيحصل؟
- تتدهور قوة البصر، وتصبح الرؤية الليلية مشوشة، وربما تصل الامور الى الرؤية المزدوجة، اي ترى الواحد اثنين، فاذا نظرت الى الرقم 1 فقد تقرأه 11 وتستمر الرؤية بالتدهور حتى تصل بعد مدة من الزمن الى العمى.
‎• وما هي العملية الجراحية؟ اي ماذا يتم فيها؟
‎- الماء الابيض هو تلف العدسة بحيث تفقد شفافيتها فتحجب الرؤية، والعملية الجراحية هي ازالة العدسة المصابة ووضع عدسة شفافة صناعية بدلها.
‎• وكم تستغرق هذه العملية من الوقت؟
‎- ربع ساعة تقريبا.
‎• وهل تجري تحت التخدير العام؟
‎- التخدير العام أفضل.
‎• ومتى يمكن اجراؤها؟
‎- لو لم تكن مصابا بالسكر لقلت لك: غدا أجريها لك، لكنك مصاب بالسكر، وهذا يستدعي اولاً أن تراجع طبيب الباطنية لينظم لك السكر، وبعدها يمكن اجراؤها.
‎• وكم تعيش العدسة الصناعية عندي؟ وهل سأضع عدسة جديدة كل فترة من الزمن؟
- أبداً، فالعدسة الصناعية تعيش عادة طوال العمر، ولا تحتاج الى تبديلها.
‎• وهل ستجري لي العملية في العينين معا؟
- كلاهما تحتاجان الى عملية، لكن الاصول ان نجري عملية لكل واحدة منهما على انفراد.
‎• والسبب؟
‎- اذا حصل تلوث اثناء العملية لا قدر الله فستتلف العينان معا، لذا نحتاط للأمر فنجري كل عملية على حدة.
‎• وهل العدسة الصناعية زجاجية أم أنها تشبه العدسة الطبيعية؟
- لا هذا ولا ذاك، فالعدسة الطبيعية سائل يحتوي على بروتينات مذابة، اما العدسة الصناعية فهي من مادة بلاستيكية وليست زجاجية، وذلك كي تكون طرية يتغير بعدها البؤري حسب بعد الجسم المرئي من العين.
‎• وكيف تجرى العملية؟
- نفتح شقا صغيرا في غلاف العدسة ندخل منه طرف جهاز يرسل أشعة تذيب الجزء المعتم من العدسة فتحوله من صلب الى سائل، وهكذا تصبح العدسة بكاملها سائلا يمكن شفطه بجهاز شفط، ثم نضع العدسة البلاستيكية مكان العدسة المشفوطة.
‎بعد بضعة اسابيع كان سائق الباص يقود سيارته من دون ان يشكو من دائرة المرور، او من شركة الكهرباء، أو من قرص الشمس، لقد تعلم أن يعالج نفسه قبل أن يلوم الآخرين.
‎لقد استفاد كثيرا من الاصغاء إلى مَنْ ينصحه.



100% 75% 50% 25% 0%


مقالات اخرى لــ  الدكتور فخري مشكور

  Designed & Hosted By ENANA.COM

  الاسبوعية تصدر عن مؤسسة خندان للبث و النشر , العراق – بغداد