نيويورك – الحياة اللندنية- قد ينفر بعضهم من الأعمال الفنية المعتمدة على الواقع، في معنى بناء مسرحية أو فيلم انطلاقاً من شهادات ووقائع حية من دون مزجها بالخيال. ولكن هناك استثناءات، وآخرها مسرحية أميركية عن العراق بعنوان «العقابيل»، اعتمد فيها كاتب النص إريك جنسن والمخرجة جيسيكا بلانك شهادات حية استقياها في مدينة عمّان الأردنية، مع مجموعة من اللاجئين العراقيين الذين دفعتهم ظروف الحرب الى الخروج من البلاد.

وراء كل خروج حكاية مؤلمة، وتشكل مجمل الحكايات صورة للمشهد العراقي قبل الحرب وبعدها. وصيغت بعض تلك الشهادات في نص مسرحي بعد ورشة عمل في مدينة نيويورك، مع ممثلين غالبيتهم من أصول شرق أوسطية. حاز العرض الإعجاب هناك، وانتقل الى مدينة لندن ليحصد نجاحاً آخر.
يبدأ العرض بحضور الممثلين على خشبة المسرح تحيط بهم إضاءة خافتة، وقد أعطوا ظهورهم للمتفرجين وتوزعوا في شكل هندسي جميل. يلتفت كل ممثل الى الجمهور فتوجه عليه الإضاءة ويبدأ بتقديم نفسه ونبذة عن حياته باختصار. وهكذا حتى تصير واضحة خلفية كل الشخصيات، مهنتها، وكيف كانت حياتها قبل الحرب. وهي تتوزع ما بين الفلوجة وبغداد. تتضح فسحة العلاقات والتعايش بين أبناء الطوائف المختلفة، كل بتفاصيل حياته. لدينا مسيحية قتل من كان معها من أهلها في السيارة أثناء توجههم الى المستشفى لإعطاء اللقاح للطفل الصغير. وهناك إمام مسجد شيعي عذب في سجن أبو غريب بتهمة باطلة هي حيازة سلاح داخل مسجده، والصيدلي ابن الفلوجة قتل ابن أخيه الشاب أثناء تفتيش روتنيني للقوات الأميركية بين البيوت، على مرأى من عيون شقيقته وأمه، من دون أي سبب. وهناك الطباخ مع زوجته، وقد خرجا من العراق بعد أن بدأت بعض الميليشيات الدينية تضغط عليه لكتابة تقارير عن جيرانه من السنة، الجيران الذين ساعدوه في بناء بيته، «حجراً حجراً». وهناك أيضاً طبيب الأمراض الجلدية الذي اختار تخصصه لأنه لا يحتمل رؤية الدم، فيجد نفسه مضطراً للتعامل مع الدماء في ظروف خدمات صحية سيئة. ويمثل فئة المثقفين المخرج المسرحي وزوجته الرسامة اللذان ما عادا قادرين على ممارسة نشاطاتهما في ظل التفجيرات والتعصب والتطرف.
يجمع بين كل هؤلاء الشهود المترجم العراقي الذي يفترض أن يترجم بين من يجرون المقابلات (غير مرئيين)، والشهود. وهو في الوقت نفسه لديه من المرويات الشخصية، بصفته عراقياً، الكثير الذي يؤهله لأن يكون شاهداً إضافياً ضمن المجموعة. الفرق فقط ان مهمته أكبر، فهو مطالب بتوصيل معاناة من حوله، تحت ضغط جملة آمرة تتردد بصيغة الرجاء «ترجم، ترجم!»، وهي تتسرب أثناء الحوارات.
أفضل ما يمكن أن يقال عن المسرحية إنها بلا عيوب تنتقد عليها. فهي بسيطة، بدءاً من الديكور الذي لا يتغير، إنما يتم اختيار بعض قطع منه عبر الإضاءة. تبقى الشخصيات كلها على الخشبة لا يخرج أحد منها. قد يدير ممثل ظهره للجمهور أو تخفت الإضاءة عليه لتركز على غيره. ومن إيجابيات العمل أيضاً أنه تمكن من شدّ انتباه المشاهدين بالتعليقات التي تستدرجهم للضحك، وتخفف عنهم وطأة التفاصيل المؤلمة.
حافظت المسرحية على حيادها داخل السياق العراقي، لم تدن الحرب ومتتالياتها على حساب التغاضي عن انتقاد دكتاتورية سابقة على الحرب ساهمت بطغيانها في مصائر مواطنيها، أو على انتقاد حكومة محلية استلمت تالياً وتبدو تابعة. فكل من يعتقل على يد القوات الأميركية يبقى محل شكوك لديها. والنص مخصص لسبر حياة العراقيين ومن وجهة نظرهم، وبهذا فإن النص غير محايد من جهة نظر من شنّوا الحرب، فلم يعن بشرح وجهات نظر الجنود أو السياسيين الأميركيين. وتركت الإدانة تتسرب على ألسنة الشخصيات، كأن يقول الصيدلي العراقي أن «بوش أعلن أنه سيحارب القاعدة في بغداد، وهم قبلوا الدعوة».
واللافت هو استخدام الوثيقة في العرض، بأشكالها المتعددة: أوراق حكومية، رسائل، صور للوحات وصور الأحبة الذين بقوا هناك. كأن اللاجئ يخرج معه تلك الأدلة البصرية ليحفظ ذاكرته من التشوش والمحو. وبرعت المخرجة التي ساعدت في كتابة النص المسرحي اضافة الى الكاتب الرئيسي، في تأكيد خصوصية شخصيات المسرحية، من تقاليد وعبارات تقال في بعض المواقف بما فيها السباب، يرددها الممثلون بالعربية أحياناً. وتتردد كثيراً عبارة تفيد حسّ الضيافة لدى العراقيين (شاي، قهوة، عصير). الممثلون يبدون مشغولين أحياناً بمباراة لفريقهم العراقي الذي يجمع كل الأطياف في تشكيلته، وتنتهي المسرحية بصرخة فرحة مشتركة بين كل الشخصيات: «جول!».
هذه المسرحية موجهة الى جمهور قاده يوماً رئيس وزرائه الى حرب لم تفعل سوى مراكمة آلام العراقيين وليس التقليل منها. وهي بعثت برسالة مشابهة الى الجمهور الاميركي الذي شاهدها قبل أشهر في مدينة نيويورك، واستحق العرض ثناء النقاد هناك. الأمر الوحيد المزعج في عرض لندن، هو مكانه، فقد اختار له مسرح «أولد فيك» اللندني نفقاً قريباُ منه، تمر فوقه قطارات الشحن وتتسرب في أرضه المياه، ليمنح أجواء العمل إحساساً بالضيق يذكر بأصوات القنابل والدبابات والخراب. والمسرحية عرضت ضمن سياق (مهرجان لندن المسرحي) الذي يسعى الى تقريب وجهات النظر بين الثقافات المتعددة في هذه المدينة، وصولا الى فهم أفضل لمشاكلها وتطلعاتها.
|