احمد سعداوي
كان احد الاصدقاء ممن يتواصلون معي عبر الماسنجر، لا يفوت فرصة إلا وتحدث فيها عن نفسه و(انجازاته) وما اصدر من نصوص وكتب، وما كُتب عنه من مقالات، مشاركاته ومساهماته وآراء الآخرين به، حتى انه في فترات لاحقة، وبسبب التباعد والانشغال، كان يدخل في الموضوع مباشرة، فبعد التحية والسلام (ينسرد) عليّ بقائمة ما جرى معه، ثم انتهى المطاف بي معه انني اجد على الماسنجر مجموعة من الروابط (اوف لاين) لمقالاته ونصوصه وما كتب عنه.
الامر نفسه تكرر مع صديق يقيم في الطرف الثاني من الارض، فهو مشغول على الدوام، ليس بالتواصل مع اصدقائه، وانما بتوظيفهم، قدر الامكان، في ماكنته الاعلامية والدعائية، والامر يتجاوز في هذه الحالة حدود الرغبة بمشاركة الاصدقاء والمهتمين بنشاطاته وما يقوم به. انه يضع مهمة (التبليغ) عن نشاطاته أمام مهمة التواصل مع الآخرين. والرسالة التي ستصل الى الآخرين، عاجلاً او آجلاً، انه غير مهتم بالتواصل معهم، إنه مشغول بنفسه الى حدود قاتلة.
بالنسبة لي مهما تكررت هذه الحالات امامي، وهي كثيرة للأسف، فان رد فعلي يكاد يكون واحدا؛ ضعف الاهتمام بالمقابل، ثم حالة تشبه القطيعة، لأن المقابل هو من بدأ القطيعة، حين حوّلني وحوّل الآخرين الى مجرد مساحة لتمدد ذاته وانتفاخها.
أنا افهم تماماً ان (حب الذات) هو مقدمة الى حب الآخرين، وان الذي يكره نفسه او الذي يعاني من مشاكل معها سيعاني من مشاكل في تقبل الآخرين او التعامل السوي معهم، كما أؤمن تماماً بأن (ما حك جلدك مثل ظفرك) وأنك اذا افتقدت الفضاء الطبيعي للإعلان عن نفسك فليس من العيب ان تخلق انت هذا الفضاء، كما ان جزءاً من الدعاية الناجحة لأي مبدع تبدأ من مبادرات هذا المبدع، ولا ينتظر ان تأتيه ماكنة الدعاية الى باب بيته.
كل هذا مفهوم، ولكنه لن يكون طبيعياً إلا إذا استحضرنا معه عناصر أخرى، لعل أهمها، ان اي نشاط بشري، ابداعي او اجتماعي، يحوي عنصر التواصل. اي نشاط من هذا النوع هو فعل حوار مع الآخر، وإذا لم تستطع ادراك هذا الآخر او وضعه في الحسبان فأنت تعاني من مشكلة حقيقية في خطابك الخاص.
ما فائدة هذا العمل الذي نقوم به وندعي انه موجه الى الآخر، إن لم يكن لدينا اصلاً فضول تجاه هذا الآخر، إن لم تكن لدينا رغبة بالتعرف على هذا الآخر. إن لم نعترف أن معرفتنا التي نقدمها هي نتاج للحوار مع هذا الآخر.
الفشل في هذه المهمة، في واقع الحال، هو المقدمة الطبيعية لإنتاج الأوهام، وهذه الاوهام تتحول في السياسة الى تسلط وديكتاتورية، وتتحول في المجتمع الى اشكال من العصابات النفسية والمرضية، وتتحول في الابداع والكتابة الى نوع من الزهو بالذات ونوع من الدوغما والتشوه في النظرة الى الأشياء.
عن جريدة العالم
|